ما بعد حرب الأربعين يوماً ليس كما قبلها
تكشف حرب الأربعين يوماً انكسارات واشنطن وتل أبيب وتفتح الباب أمام تحولات سياسية وعسكرية أوسع تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. توقفت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد أربعين يوماً من اندلاعها، بفضل تحركات دبلوماسية واسعة النطاق قادتها باكستان بالدرجة الأساس، دون أن يعني ذلك أنها قد وضعت أوزارها وطويت صفحاتها إلى الأبد. إذ إن هدنة الأسبوعين، حتى وإن تم تمديدها، فإنها أشبه ما تكون بفرصة للمتحاربين لالتقاط الأنفاس، وفسح المجال للوسطاء للبحث عن مخارج وحلول واقعية وعملية يتطلع لها الجميع، وإن تباينت واختلفت الشروط والمطالب والأولويات.
ولعل هدف إيقاف الحرب واحتواء التصعيد يستبطن بين ثناياه تساؤلاً كبيراً: هل الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل نجحتا في تحقيق ولو جزء مما خططا له من وراء شن الحرب على إيران؟ وإذا كانتا قد حققتا ذلك، فهل يتناسب مع الخسائر والاستحقاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية وحتى المعنوية التي لحقت بهما؟ التساؤل يتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل لأنهما من أطلق شرارة الحرب، في ظل حراك دبلوماسي فاعل بدا للكثيرين أنه يحمل آفاقاً جيدة.
انكسارات واضحة لواشنطن وتل أبيب
اليوم تتحدث معظم الأوساط السياسية ووسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية والغربية عن انكسارات وإخفاقات واضحة لواشنطن وتل أبيب، بسبب خطأ الحسابات والتقديرات والركون إلى التمنيات. قبلت إدارة ترامب الهدنة، بل سعت إليها بقوة، لتجنب المأزق الذي حشرت نفسها فيه، وهذا بحد ذاته إقرار غير صريح بالانكسار والهزيمة، ويعززها عدم تحقق أي من الأهداف المعلنة: قطع رأس النظام الإيراني وإسقاطه، القضاء على البرنامج النووي، تدمير الترسانة الصاروخية، إعادة فتح مضيق هرمز، واستعادة الطيارين الأميركيين.
المنطق يقول إن من يحرز انتصاراً حقيقياً لا يهرول لإيقاف الحرب ولا يتوسل للتفاوض. لو كانت الولايات المتحدة انتصرت لكانت إيران هي من تسعى لوقف الحرب، لكن صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة واصلت إلقاء حمم نيرانها على تل أبيب والمدن الفلسطينية المحتلة وفوق القواعد الأميركية في الخليج.
تحليلات إعلامية غربية عن الهزيمة
الإعلام الأميركي والإسرائيلي والغربي يتحدث عن هزائم وانكسارات أكثر من الإعلام الإيراني. صحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وغارديان وتايمز ويديعوت أحرونوت وهآرتس وجيروزاليم بوست ولوموند، وشبكات مثل سي إن إن وإن بي سي وبي بي سي، ووكالات مثل أكسيوس وفرانس برس وأسوشيتد برس، أسهبت في تحليل الحرب. مجلة أتلانتيك الأميركية تقول: دخل ترامب الحرب بنية تحطيم قوة إيران، لكن بعد إنفاق 50 مليار دولار ما تزال الأخيرة صامدة، وبالرغم من أن ترامب كان يأمل تحديد مستقبل إيران، إلا أنها قد تحدد مصيره.
ضغوط داخلية وخارجية على ترامب ونتنياهو
الشارع الأميركي بات مستاءً من سياسات ترامب بسبب الضغوط الاقتصادية، والانقسامات السياسية الداخلية تتصاعد، وانتقادات لاذعة تصدر حتى من أعضاء حزبه الجمهوري، والحديث عن عزله من الرئاسة يتداول على نطاق واسع. في الوقت نفسه، ما زال نتنياهو يتهرب من حضور جلسات محاكمته بتهم الفساد تحت ذريعة الظروف الأمنية. التصدعات طالت المؤسسة العسكرية الأميركية، حيث حملة إقالات لكبار القيادات في ذروة الحرب، وكشف رئيس هيئة الأركان المشتركة المحال على التقاعد راندي جورج عن حقائق خطيرة عن أوضاع الجيش ونتائج الحرب.
الانقسامات امتدت إلى حلف الناتو، حيث أعلنت دول حليفة رفضها الانخراط في حرب عبثية لم تستشر بشأنها، ووصف ترامب حلفائه بالجبناء والناتو بنمر من ورق. تداعيات الحرب لن تقف عند هذه الحدود، فهي ربما تطيح بترامب ونتنياهو، وتسبب تصدع التحالف بينهما، وترسم خرائط جديدة للشرق الأوسط تصعد فيها قوى دولية وإقليمية وتتراجع أخرى.



