محاكمة الأسد الغيابية: تطهير الذاكرة وإعادة بناء الدولة السورية
محاكمة الأسد الغيابية: تطهير الذاكرة وبناء الدولة

بدأ هذا الأسبوع مشهد قضائي يشكل منعطفا مهما في تاريخ سوريا، مع انعقاد أول جلسة محاكمة غيابية لبشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من رموز المرحلة السابقة، بينما حضر المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب أمام المحكمة. هذا الحدث لم يأت بوصفه واقعة إجرائية فحسب، إنه خطوة تعيد فتح ملف ثقيل ظل حاضرا في الذاكرة السورية، وتعيد طرح السؤال حول كيفية التعامل مع إرث الانتهاكات التي وثقتها المؤسسات الدولية على مدى سنوات.

المحاكمة كمساءلة تاريخية

فالمحاكمة هنا ليست مجرد جلسة قانونية عابرة، وإنما لحظة تستعاد فيها الوقائع التي حاول الزمن إخفاءها، وتعاد صياغة العلاقة بين العدالة والمستقبل السوري. إن فتح هذا الملف داخل قاعة المحكمة يعيد التأكيد على أن الجرائم الموثقة لا يمكن أن تطوى تحت ضغط الزمن أو تعقيدات السياسة. الضحايا الذين عاشوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري يجدون في هذه المحاكمة اعترافا رسميا بمعاناتهم، وفي الوقت نفسه يجد المجتمع السوري نفسه أمام ضرورة مواجهة ماضيه، لا باعتباره عبئا يراد التخلص منه، بل باعتباره شرطا لا بد من المرور عبره لبناء مستقبل مختلف.

المساءلة والعدالة

المساءلة هنا لا تقف عند حدود العقاب القانوني، إنها مدخل لإعادة تعريف الدولة السورية بوصفها كيانا خاضعا للقانون، لا كيانا يقف خارجه أو فوقه. ومن هذا المدخل، يصبح الحديث عن إعادة بناء الدولة امتدادا طبيعيا للمحاكمة. سنوات النزاع لم تترك أثرها على المؤسسات فحسب، لقد أعادت تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة، وخلقت فراغات في البنية العامة سمحت بظهور مراكز قوة موازية أضعفت قدرة الدولة على العمل بوصفها كيانا موحدا.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إعادة بناء الدولة واسترداد الأموال

إعادة بناء الدولة لا تعني مجرد إعادة تشغيل مؤسساتها، إنها تتطلب ترميم الثقة التي تضررت بفعل الانتهاكات الموثقة، وإعادة صياغة العقد الذي يربط المجتمع بالدولة على أسس جديدة. وفي هذا السياق، يبرز ملف الأموال العامة التي خرجت من البلاد خلال سنوات الحرب بوصفه عنصرا لا يمكن تجاوزه، إذ يشكل استردادها خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة، ولتأسيس مرحلة جديدة لا تقوم على الفساد أو الاستغلال.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تحرير الذاكرة الجمعية

غير أن إعادة بناء الدولة لا تكتمل دون إعادة بناء الذاكرة الجمعية. سنوات النزاع تركت في الوعي السوري رموزا ارتبطت بالانتهاكات الموثقة، وفي مقدمتها اسم بشار الأسد. ومن هنا، تصبح المحاكمة الغيابية خطوة تسهم في تحرير الذاكرة السورية من ثقل تلك المرحلة، وفي نزع حضور هذه الرموز من الحياة العامة. هذا المسار لا يطرح بوصفه تعبيرا عن موقف سياسي آني، إنه جزء من عملية أعمق تهدف إلى صياغة ذاكرة وطنية جديدة تقوم على قيم العدالة والمساءلة، لا على الخوف والتسلط. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى ذاكرة مختلفة، ذاكرة لا تقوم على تمجيد الماضي، بل على الاعتراف به وتجاوزه، وعلى تحرير الوعي من سنوات الدم والاستبداد.

رسائل المحاكمة إلى الداخل والخارج

تبعث المحاكمة الغيابية رسائل واضحة إلى الداخل السوري، مفادها أن الانتهاكات الموثقة لن تنسى، وأن العدالة ستظل عنصرا حاضرا في أي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة. إنها رسالة للضحايا بأن معاناتهم أصبحت جزءا من سجل رسمي، وللمجتمع بأن الاستقرار لا يمكن أن يقوم فوق أرضية لم تعالج فيها آثار الماضي. كما تحمل رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الجرائم الخطيرة لا تسقط بالتقادم، وأن التعامل مع الملف السوري لن يكون ممكنا من دون الاعتراف بما وثقته المؤسسات الدولية، بما في ذلك استرداد الأموال العامة وتنفيذ الأحكام القضائية.

الموقف من فلول النظام السابق

أما الرسالة الموجهة إلى المتبقين من فلول النظام الإجرامي السابق، فهي أن المسار القضائي الذي بدأ لا يتعامل مع الأحداث بوصفها روايات متنازعا عليها، وإنما بوصفها ملفات موثقة دخلت حيز المساءلة. تجاهل هذا الواقع لن يغير من حقيقة أن العالم يتعامل مع هذه الانتهاكات بوصفها جزءا من سجل رسمي، وأن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تشكيل الدولة والذاكرة معا، بعيدا عن الرموز التي ارتبطت بسنوات الطغيان، وبما يفتح الطريق أمام سوريا جديدة تبحث عن مكانها الطبيعي في محيطها العربي، دولة وهوية وذاكرة.