في جديد لبنان الذي لا تستقر أطيافه السياسية وأحزابه الثلاثة والأربعون حتى الآن، كون ظاهرة التفريخ الحزبي نشطة وحسب موازين القوى الخارجية، أن إحدى المنابر العلمية متمثلة بجامعة الروح القدس ومقرها الكسليك أو الضاحية الشمالية للعاصمة بيروت التي من يجوب شوارعها وشواطئ بحرها يرى أنها نقيض المأساة التي باتت عليها الضاحية الجنوبية والناشئة عن العدوان الإسرائيلي عليها، وعن الجدل البيزنطي الذي لا تتوقف جولات المجادلين عند حد، ارتأت إقامة معرض وطني لمناسبة مرور قرن على إعلان الدستور اللبناني.
الدستور اللبناني في مئة عام
شهد الدستور اللبناني، دون سائر كثير من دساتير دول العالم، في سنواته المائة من عام 1926 إلى العام الحالي 2026 تعديلات كثيرة. كما أن الأحزاب بدءاً من الكتائب اللبنانية، وصولاً حتى الآن إلى حركة أمل وحزب الله، كانت في معظمها تشكل حالة ارتباك للموقف الرسمي. فضلاً عن أن عقيدة هذا الحزب، أو ذاك التنظيم، أو تلك الحركة، لا تعير أهمية للحدب الوطني على الدولة متمثلة بدستورها الوطني وبمرجعياتها الرئاسية المدنية والقضائية والعسكرية. أي بمعنى آخر لكل حزب هواه وفق انتمائه خارج حدود الوطن وعلى أنقاض الدستور، الذي دون سائر دساتير العالم، كان موضع أخذ ورد وكما لو أنه وجهة نظر قابلة للمجادلة وليس نصاً من واجب المواطن اعتباره السقف الذي يحميه.
أهداف المعرض الوطني
ما يتطلع إليه المعرض الذي دعت إليه الجامعة، هو تسليط الضوء على المسار التاريخي الذي شكل الهوية الدستورية للبنان من خلال عرض محطات مفصلية تبدأ من بروتوكول عام 1861 ومرحلة المتصرفية مروراً بإعلان دولة لبنان الكبير، وصولاً إلى إقرار الدستور اللبناني عام 1926. ولتحقيق المبتغى في هذه المبادرة وجهت جامعة الكسليك متمثلة بمكتبتها دعوة مفتوحة إلى كل من يحتفظ بوثائق من صور ورسائل أو أي مواد أرشيفية ذات صلة بالتاريخ اللبناني، وفي تصورها أن تلك الرسائل والمواد النادرة تساهم في توثيق تاريخ لبنان بشكل أعمق.
هذه المبادرة تأتي وقد تناسى أهل الحكم في لبنان مئوية الدستور اللبناني، وبحيث كان المأمول إقامة احتفالية تؤكد على أن لبنان الذي باتت عواصف النزاعات الداخلية كثيرة فضلاً عن الاعتداءات الإسرائيلية عليه.
جذور الدستور وتحديات الهوية
هنا تجدر الإشارة إلى أن الشتلة الأولى في تربة الوطن للدستور لم تكن لبنانية، وذلك بحكم وقوعه في خريطة الانتداب الفرنسي في العشرينات التي شملت أقطاراً عربية وأفريقية، وبذلك حال هذه الخريطة قريبة الشبه من خريطة نتنياهو للشرق الأوسط الجديد. وبحكم ظروف الشتل ثم الاستقلال، تناثرت مواقف في شأن الهوية الدستورية اللبنانية، فضلاً عن أن صياغي حقب ما بعد الشتل الفرنسي وبدء مرحلة الاستقلال باتوا دون مذكرات لا تفي كفاية بالمطلوب، لأنها أخذت المنحى الشخصي، كما أن بعضهم ترك للزمن ومن خلال باحثين ومؤرخين تدوين ما يمكن تدوينه. فضلاً عن أن الإدارات الرسمية لم تأخذ بالصيغة المعتمدة لدى وزارة الخارجية في دول كثيرة، وهي اغتنام مناسبة مرور ربع قرن على العلاقة بين هذه الدولة وكثير من الدول، نشر وثائق ومراسلات رغم أنها منتقاة وبحيث تعزز دورها وتغمط أدوار الدول الأخرى.
معوقات إنجاز المبادرة
وثمة معوقات نوعية لإنجاز ما تطرحه الجامعة من بينها أن مذهبية هذه الجامعة تجعل التركيز على مسعى تشكيل الهوية الدستورية اللبنانية يحتاج إلى اعتماد الحياد إلى جانب الموضوعية، وهذا عائد إلى أن لبنان طائفي ولكل طائفة نظرة إلى الهوية الدستورية للوطن قد لا تكون متناسقة مع الهدف من الفكرة الرائدة. هذا إلى أن التركيبة السكانية الرسمية للبنان متعددة إلى جانب المذهبية. وليست تلك هي الثغرة الوحيدة، ذلك أن الحالة الحزبية بتنوع تسمياتها تعيق الغاية المنشودة. ونقول ذلك على أساس أن لكل حزب أو حركة أو تنظيم في لبنان وجهة نظر في تلك الهوية. وهذه التوجهات الحزبية تلقي ظلالاً على الهوية الدستورية للوطن.
دور الدولة والأحزاب
وفي هذه الحال فإن المشاركة الرسمية، أي الدولة برئاساتها الثلاث باتت مطالبة أكثر من حقبة سنوات التراكم الحزبي بإرفاق الدستور اللبناني الذي طالما عدلت مواد فيه وبلورت مواد أخرى، بصيغة استقرار منشود للوطن، وذلك باستحداث تعديل دستوري في شأن الواقع الحزبي وبحيث لا تتجاوز الأحزاب فيه، وتحت سقف الدستور التزاماً لا جدال في شأن مفرداته، الحزبين ومن دون انعكاس ذلك على التعددية التي يتباهى لبنان بأنها رمز الممارسة الديمقراطية. لكن هذه الممارسة لا تعود سنداً للدولة، وإنما التعكير الممنهج للوضع الذي يبدأ صراعات سياسية من خلال التلاسن، ثم يتحول بحكم الوجود الحزبي في المؤسسة الدستورية التي هي مجلس النواب إلى أداة تعطيل لخطوات بعضها يتسم بالضرورة القصوى اتخاذها، ويتسبب التلكؤ في عدم اتخاذها، وفقاً لأجندة هذا الطيف الحزبي أو ذاك، بمعوقات لا تنجي الوطن من صواعق حربية تأتيه تدمّر ما حدث تدميره ونزح ما باتت عليه أحوال النزوح المؤلمة، فضلاً عن إعادة عقارب ساعة تقدمه نحو الحياة الأفضل إلى ما وراء الوراء.
خلاصة ورؤية
يبقى أن هذا ما يراه مواطن مثل حال كاتب هذا المقال جعل من التركيز في كتابات ومؤلفات له على أهمية الحياة الدستورية للوطن والمواطن، قضية ترضي الضمير وتجعل المواطن يستحق وطنه الذي تبلورت هويته الدستورية، وتراجعت الوطأة الحزبية عليه بالتدرج. ويبقى القول إن مبادرة جامعة الكسليك وفي هذه الظروف البالغة الصعوبة يعيشها لبنان، تحتاج من قادة الأحزاب إلى مراجعة النفس بهدف إراحة الضمير.



