التعلم مدى الحياة: درع واقٍ ضد الزهايمر والخرف
في تطور علمي مثير، أظهرت دراسة حديثة أن الانخراط في أنشطة تعليمية محفزة للعقل، مثل القراءة والكتابة وتعلم اللغات الأجنبية، يمكن أن يقلل خطر الإصابة بمرض الزهايمر بنسبة تقارب 40%. هذه النتائج تسلط الضوء على أهمية التعلم المستمر كأداة فعالة في مواجهة أحد أكثر التحديات الصحية إلحاحاً في العصر الحديث.
تفاصيل الدراسة: متابعة 1939 مشاركاً على مدى ثماني سنوات
نُشرت الدراسة في مجلة علم الأعصاب التابعة للأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب، وتم نقلها عن صحيفة "دايلي ميل" البريطانية. تابعت البحث 1939 شخصاً سليماً يبلغون من العمر 80 عاماً، ولم يكونوا مصابين بالخرف عند بداية الدراسة. تمت متابعة المشاركين لمدة ثماني سنوات تقريباً، وخلال هذه الفترة، أصيب 551 منهم بمرض الزهايمر، بينما أظهر 719 علامات ضعف إدراكي طفيف.
أكمل المشاركون استبيانات مفصلة حول تعلمهم خلال ثلاث مراحل حياتية متميزة:
- الإثراء المبكر (قبل سن 18 عاماً): شمل عدد مرات قراءة الكتب لهم أو قراءتهم بأنفسهم، وإمكانية الوصول إلى الصحف والأطالس في المنزل، ودراسة لغة أجنبية لأكثر من خمس سنوات.
- إثراء منتصف العمر: ركز على مستوى الدخل في سن الأربعين، والموارد المنزلية مثل اشتراكات المجلات والقواميس وبطاقات المكتبة، وتكرار زيارات المتاحف.
- الإثراء في سن الثمانين: اعتُبرت القراءة والكتابة وممارسة الألعاب أنشطة محفزة للعقل، مع أخذ إجمالي الدخل من الضمان الاجتماعي والتقاعد في الاعتبار.
نتائج مذهلة: انخفاض خطر الزهايمر بنسبة 38% وتأخير الأعراض
بعد تحليل البيانات وتعديل العوامل المؤثرة مثل العمر والجنس والتعليم، وجد الباحثون أن الدرجات الأعلى في الإثراء المعرفي ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بمرض الزهايمر بنسبة 38%. كما كان أولئك الذين حصلوا على أعلى الدرجات أقل عرضة بنسبة 36% لإظهار علامات الضعف الإدراكي، مقارنة بأولئك ذوي المستويات الأدنى.
الأكثر إثارة، أن المشاركين الحاصلين على درجات أعلى أصيبوا بمرض الزهايمر في وقت لاحق من حياتهم، في سن 94 عاماً تقريباً، أي بعد أكثر من خمس سنوات من أولئك الذين حصلوا على أدنى المستويات. هذا التأخير كان أكثر وضوحاً لدى المشاركين الذين أصيبوا باضطرابات إدراكية طفيفة، حيث أدى ارتفاع مستويات الإثراء إلى تأخير ظهور الأعراض لمدة سبع سنوات.
فحص أدمغة المشاركين: ذاكرة أفضل وتدهور أبطأ
قام الباحثون أيضاً بفحص أدمغة المشاركين الذين توفوا أثناء الدراسة، ووجدوا أن أولئك الذين قضوا وقتاً أطول في التعلم كانت لديهم ذاكرة ومهارات تفكير أفضل، وتدهور أبطأ قبل الوفاة. هذا الاستنتاج بقي صحيحاً حتى عند أخذ التغيرات الدماغية المبكرة المرتبطة بمرض الزهايمر في الاعتبار، مثل تراكم بروتينات الأميلويد والتاو، والتي تشكل لويحات وتشابكات يُعتقد أنها وراء أعراض المرض.
تأكيد العلماء: الاستثمار في بيئات التعلم ضرورة ملحة
قالت البروفيسورة أندريا زاميت، أخصائية علم النفس العصبي في مركز راش لأبحاث مرض الزهايمر وقائدة الدراسة: "تشير نتائجنا إلى أن الصحة المعرفية في مراحل لاحقة من الحياة تتأثر بشدة بالتعرض مدى الحياة لبيئات محفزة فكرياً. الاستثمارات العامة التي توسع نطاق الوصول إلى بيئات ثرية، مثل المكتبات وبرامج التعليم المبكر المصممة لغرس حب التعلم مدى الحياة، قد تساعد في الحد من حالات الخرف".
ومع ذلك، شددت الدراسة على أن النتائج لا تثبت بشكل قاطع أن التعلم مدى الحياة يقلل خطر الزهايمر، بل تُظهر وجود ارتباط. كما اعتمدت على ذاكرة المشاركين لتجاربهم في بداية ومنتصف العمر، مما يُدخل احتمال تحيز الاستذكار.
خلفية عالمية: الخرف كتحدي صحي كبير
يُعد الخرف، الذي يعتبر مرض الزهايمر أكثر أنواعه شيوعاً، أحد أكثر التحديات الصحية إلحاحاً. في إنكلترا، سُجلت أكثر من 2500 حالة وفاة زائدة بسبب هذه الحالة في العام الماضي، ولا يوجد علاج حالياً، مما يجعل الوقاية مفتاحاً أساسياً للتصدي للأثر المدمر للمرض.
في المملكة المتحدة، يعيش حوالي 900 ألف شخص مع الخرف حالياً، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 1.6 مليون بحلول عام 2040. الخرف هو السبب الرئيسي للوفاة، حيث يمثل أكثر من 74 ألف حالة وفاة سنوياً، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى ما يقرب من 14 مليون بحلول عام 2060، مع حوالي 120 ألف حالة وفاة سنوياً تُعزى إلى مرض الزهايمر وحده.
دراسات داعمة: تغييرات نمط الحياة يمكن أن تؤخر المرض
إلى جانب هذه الدراسة، أظهرت أبحاث أخرى أن تغييرات نمط الحياة، حتى عند تطبيقها في وقت لاحق من الحياة، يمكن أن تؤخر المرض لسنوات. على سبيل المثال، وجدت دراسة نُشرت في مجلة Alzheimer's & Dementia Translational Research & Clinical Interventions أن تمريناً تدريبياً محدداً يركز على الانتباه المنقسم يمكن أن يقلل خطر الخرف بنسبة تصل إلى 25%.
في تقرير توافقي رئيسي نُشر سابقاً هذا العام، وضع خبراء عالميون 56 توصية قائمة على الأدلة لخفض خطر الخرف، تشمل معالجة فقدان السمع وتحسين رسائل الصحة العامة ومعالجة الضغوط البيئية. وتطالب اللجنة الحكومة بإعادة تقييم نهجها تجاه رعاية مرضى الخرف بشكل عاجل، محذرةً من أن عدم وجود استراتيجية وطنية منسقة سيؤدي إلى استمرار ظهور ملايين الحالات التي يمكن تجنبها.
باختصار، تقدم هذه الدراسة أدلة قوية على أن التعلم مدى الحياة ليس مجرد نشاط ثقافي، بل هو استثمار حيوي في الصحة العقلية، يمكن أن يحمي من الزهايمر ويؤخر أعراضه لسنوات، مما يعزز أهمية السياسات العامة التي تدعم الوصول إلى بيئات تعليمية محفزة للجميع.