بنت جبيل: المدينة التي تتصدر جبهات الحروب في جنوب لبنان
عاد اسم مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان إلى الواجهة الإعلامية بعد أنباء عن معارك عنيفة وعن إطباق الجيش الإسرائيلي الحصار عليها، مما يطرح تساؤلات حول الأسباب التي تجعل السيطرة على هذه المدينة ذات أهمية بالغة في الحروب بين حزب الله وإسرائيل.
تصاعد الاشتباكات في محيط المدينة
تفيد التقارير الواردة من جنوب لبنان بتصاعد وتيرة الاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله في محيط مدينة بنت جبيل الجنوبية. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته تطوق المدينة، وإنه تمكن من قتل واعتقال عدد من مسلحي الحزب. في المقابل، يقول الحزب إن مقاتليه لا يزالون يتصدون لمحاولات التوغل الإسرائيلي، مما يشير إلى استمرار المواجهات العنيفة.
إعلانات عسكرية وتفاصيل المعارك
نشر الجيش الإسرائيلي صوراً ومقاطع فيديو لجنوده، قال إنها من داخل بنت جبيل، وأفاد بأن قواته اعتقلت ثلاثة مقاتلين من الحزب في المدينة في 14 أبريل/نيسان. كما أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 10 من جنوده في معارك بنت جبيل، ومقتل ضابط برتبة مقدم. لكن الجيش الإسرائيلي لم يعلن حتى الآن سيطرته على المدينة الشهيرة، التي استضافت عام 2000 مهرجان الاحتفال بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، بحضور الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، الذي اغتالته إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2024.
تاريخ المدينة في الحروب السابقة
تعود شهرة بنت جبيل أيضاً إلى حروب سابقة مع إسرائيل، وتحديداً معارك حرب 2006، التي شهدت مواجهات عنيفة داخل أحيائها ومنازلها ومن مسافات قريبة. وتحوّلت بنت جبيل اليوم إلى عنوان رئيسي في المعركة الدائرة منذ أيام، مع إصرار إسرائيلي واضح على السيطرة عليها، بالتزامن مع لقاء دبلوماسي مباشر جمع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، للمرة الأولى منذ عشرات السنين.
موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية
يقع قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية، ويضم 36 بلدة على مساحة 260 كيلومتراً مربعاً. وتبعد مدينة بنت جبيل نحو ثلاثة كيلومترات عن الحدود اللبنانية الجنوبية، وتبلغ مساحتها 9.10 كيلومترات مربعة، ولا يتعدى عدد سكانها ستة آلاف نسمة. يبلغ ارتفاع بنت جبيل عن سطح البحر 770 متراً، ما يجعل منها موقعاً مشرفاً على نقاط عديدة في الجنوب وخاصة في القطاع الأوسط، وهذا ما قد يفسّر الإصرار الإسرائيلي للسيطرة عليها. وقد تمكن السيطرة على بنت جبيل، الجيش الإسرائيلي من قطع طريق الإمدادات عن مقاتلي حزب الله في تلك المنطقة، وفق ما رأى مراقبون عسكريون.
أهمية المدينة الثقافية والتاريخية
تتعدد الروايات حول تسمية المدينة، ويقال إن بنت جبيل كانت تعرف بمدينة "الشمس"، نسبةً إلى اسم أميرة فينيقية، أو إلى أميرة تنوخية هربت من مدينة جبيل المدينة الواقعة على ساحل المتوسط شمال بيروت، فمنحت البلدة التي سكنت فيها اسم "بنت جبيل". وعرفت بنت جبيل بسوقها التجاري الأثري، الواقع في الجزء القديم من البلدة، والذي كانت له أهمية تجارية في ثلاثينيات القرن الماضي في التبادل التجاري بين جنوب لبنان والمدن والقرى الفلسطينية قبل حرب عام 1948. وكان يوم الخميس مخصصاً لنشاط السوق التجاري في بنت جبيل، المعروف باسم "سوق الخميس"، والذي كان يجذب أبناء القرى والبلدات الأخرى في الجنوب. ودمّر سوقها التجاري بالكامل في حرب 2006، أعيد بناؤه بعد سنوات.
وبجانب المعالم التجارية، تحظى بنت جبيل بمكانة تاريخية عريقة، نظراً للآثار التي وجدت فيها، والتي تعود إلى الحقبتين الفينيقية والرومانية، إلى جانب المنازل القديمة التراثية و"المسجد الكبير"، الذي يعود تاريخه إلى نحو 300 عام.
دور بنت جبيل في ثقافة حزب الله
تحظى بنت جبيل بأهمية معنوية وسياسية لدى طرفي القتال. فهي المدينة التي خاض فيها الجيش الإسرائيلي معارك عنيفة وشرسة عام 2006. ففي تحقيق لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عام 2006، من مستشفى رمبام في حيفا، قال جنود إسرائيليون أُصيبوا في المعارك إن القتال في بنت جبيل كان أشبه بـ"جهنم على الأرض". أما بالنسبة لحزب الله، فإلى جانب أهمية موقع بنت جبيل الاستراتيجي في المعارك الدائرة، تحظى المدينة بأهمية كبيرة لدى الحزب، وتشكل جزءاً من إرثه الثقافي والعسكري. فهي المدينة التي وصفها الأمين العام السابق حسن نصرالله بأنها "عاصمة المقاومة والتحرير"، ومنها ألقى خطاباً وصف فيه إسرائيل بأنها "أوهن من بيت العنكبوت" في مايو/أيار عام 2000، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي.
وتحولت عبارة "أوهن من بيت العنكبوت" إلى شعار إعلامي لدى الحزب وأنصاره، لكن الجانب الإسرائيلي استخدم هذه العبارة للترويج للمكاسب الميدانية التي حققها، عقب اغتيال نصرالله وتوجيه ضربات قوية غير مسبوقة لقيادات الحزب ومقاتليه في جولة عام 2024. كما استعاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، في 13 أبريل/نيسان، عبارة نصرالله في منشور على منصة "إكس"، أرفق فيه صورة جوية للدمار الهائل في ملعب بنت جبيل لكرة القدم، الذي استضاف مهرجان حزب الله عام 2000.
زيارات تاريخية وأحداث بارزة
وفي بنت جبيل أيضاً، وبحسب موقع "العهد" الإخباري التابع لحزب الله، خاض أحد أبرز قادة الحزب العسكريين، عماد مغنية - الذي اغتيل عام 2008 - تدريباته الأولى وأولى مواجهاته مع الجيش الإسرائيلي. وكانت بنت جبيل محطة لأول اجتماع لمجلس النواب في الجنوب بعد الانسحاب عام 2000. وزارها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وأمير دولة قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، وزوجته الشيخة موزة، في إطار زيارات دعم الجنوب بعد حرب 2006.
هذا التصعيد في لبنان يأتي في وقت تدخل فيه المنطقة في مفاوضات دبلوماسية معقدة، مما يضيف طبقات إضافية من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.



