استهدافات متكررة لقوات "اليونيفيل" في لبنان تثير مخاوف من تسريع انسحابها
في تطور مثير للقلق، تعرضت القوة الدولية العاملة في جنوب لبنان، المعروفة باسم "اليونيفيل"، لهجمات متكررة في الآونة الأخيرة، مما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود إندونيسيين، وفقاً لبيان رسمي صادر عن القوة. ولم تحدد الجهة المسؤولة عن هذه الهجمات، حيث وصفتها بأنها "مجهولة"، مما يفتح الباب أمام تحليلات واسعة حول مسؤولية إسرائيل أو "حزب الله" في هذه العمليات التي تتكرر مع كل مواجهة بين الطرفين.
تصاعد التوترات واتساع نطاق الحرب
هذه الحادثة لا تخرج عن سياق الحرب الدائرة في المناطق الجنوبية، التي لم تعد تقتصر على القرى والبلدات الحدودية فحسب، بل باتت تطال القوة الدولية بشكل دائم. هذا الوضع يضع "اليونيفيل" في دائرة المواجهات دون تحديد واضح للمسؤولية عن الهجمات عليها. وفي هذا الإطار، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء تحقيقات في الحادث، في محاولة لرفع المسؤولية ووضعها في مرمى الحزب.
وتأتي هذه الهجمات في خضم الحرب في الجنوب، وعلى مسافة أشهر فقط من مغادرة القوة الدولية لبنان مع انتهاء ولايتها في نهاية العام الجاري 2026، بعد قرار الأمم المتحدة بعدم تمديدها. هذا الأمر يطرح علامات استفهام كبيرة حول السبب وراء تلك الاستهدافات، وهل تهدف إلى تسريع مغادرة هذه القوة قبل انتهاء الولاية، مما قد يفسح المجال أمام إسرائيل لإفراغ المنطقة من أي وجود عسكري أو أمني، ليس فقط لـ"حزب الله"، بل أيضاً للجيش اللبناني والقوة الدولية نفسها.
ردود فعل دولية ومخاوف من فراغ أمني
دفعت هذه الاستهدافات فرنسا إلى طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي للنظر في الأمر. ومنذ صدور القرار الأممي بإنهاء عمل "اليونيفيل" على طول الخط الأزرق جنوباً، بدأت الأوساط الدبلوماسية والسياسية المحلية والدولية في مناقشة البديل الذي يمكن أن يحل محل هذه القوة. وقد تزايد هذا النقاش مع تبين عجز الجيش اللبناني عن القيام بمهمة حفظ الأمن وفشله في تثبيت انتشاره جنوب الليطاني، وفقاً للخطة التنفيذية الرامية إلى نزع سلاح الحزب.
هذا الأمر دفع دولاً غربية إلى التفكير في إمكانية نشر قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات من أوروبا لسد الفراغ وضمان بقاء الحضور الغربي في هذه المنطقة الحساسة. إلا أن اندلاع الحرب أعاد البحث إلى المربع الأول، في انتظار ما سيؤول إليه التوغل الإسرائيلي داخل الحدود اللبنانية، وما ستكون عليه حدود المنطقة العازلة التي تعتزم تل أبيب إنشاءها لضمان أمنها.
عمليات الانسحاب والتحديات المستقبلية
وبقطع النظر عن نتائج أو توصيات مجلس الأمن، فإن قيادة "اليونيفيل" كانت قد بدأت منذ صدور القرار رقم 2790 القاضي بتمديد ولايتها لمرة أخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، بسحب جنودها بهدوء تزامناً مع خفض ميزانيتها بنسبة بلغت 30%. وهذه النسبة نفسها للانسحابات التي تحققت حتى هذا التاريخ. علماً أن القرار الدولي كان قد أوصى بالبدء بخفض قوامها وانسحابها بشكل منظم وآمن اعتباراً من تاريخ انتهاء الولاية، أي 31 كانون الأول 2026، مطالباً القوة المؤقتة بأن توقف عملياتها في هذا التاريخ وتبدأ في غضون سنة خفض قوامها بالتشاور مع حكومة لبنان، بهدف جعل الحكومة الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب.
ولا يخفي مراقبون تخوفهم من أن تؤدي الاستهدافات الأخيرة، بعد انسحاب الجيش من نقاط عدة من مناطق انتشاره ضمن عملية إعادة التموضع التي يجريها نتيجة التقدم الإسرائيلي، إلى تسريع عملية الانسحاب حفاظاً على سلامة الجنود وعدم تعريضهم للمخاطر. خصوصاً أن هؤلاء الجنود لم يعودوا قادرين على تنفيذ مهماتهم في ظل التصعيد المتفاقم في مناطق وجودهم.
تصريحات دولية وتداعيات سياسية
في هذا السياق، يأتي بيان المنسقة الخاصة للأمم المتحدة، جينين هينيس-بلاسخارت، ليكتسب أهمية بارزة بعدما وصفت لبنان بـ"ظل باهت لما كان عليه". حيث حملت "حزب الله" مسؤولية مواصلة إطلاق الصواريخ، كما حملت الجيش الإسرائيلي، بهدف حماية سكان الشمال، مسؤولية التوغل أكثر إلى عمق الأراضي اللبنانية وقيامه باغتيالات وضربات. لتصل إلى استنتاج واضح بأنه "كلما طال أمد هذا الوضع، تزداد صعوبة العودة عنه، ومع انتشار الخطاب المتشدد فإن فرص التوصل إلى تسوية بالتفاوض تكون شاقة". ما يستدعي في رأيها "هدنة فورية وتوافق على تدابير أساسية لبناء الثقة وترسيخ الدور المركزي للدولة في قرارات الحرب والسلم، بما فيها معالجة موضوع السلاح خارج سلطة الدولة، وبدء المحادثات بين لبنان وإسرائيل".
وقد بات معلوماً أن التطورات العسكرية تجاوزت أي معالجات سياسية متاحة اليوم، ما يترك الكلمة للميدان. في ظل هذه الظروف، تبقى مصائر "اليونيفيل" والمنطقة الجنوبية معلقة على نتائج الحرب والتطورات الدبلوماسية القادمة، مع استمرار المخاوف من انسحاب متسارع قد يخلق فراغاً أمنياً خطيراً.



