مسيحيو الحدود الجنوبية: حرّاس الصمود في قلب العاصفة
بينما تتواصل الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وتتزايد خطورة التداعيات الإستراتيجية العسكرية والأمنية، يبرز صمود البلدات المسيحية في المنطقة الحدودية الجنوبية كلبنان كرمز للقوة والاستمرارية. هذه البلدات، التي لا يتجاوز عددها 12 أو 13، أصبحت بعد أسابيع من الصراع أشبه بالصخرة الأخيرة العائمة في محيط هائج، تمثل الممر الوحيد نحو البرّ والنجاة من الغرق.
رمزية تاريخية تتجدد في زمن الحرب
على امتداد التجارب التي مر بها الجنوبيون، منذ تحول المناطق الحدودية إلى ساحة للصراعات الخارجية والداخلية، اكتسب المكون المسيحي رمزية استراتيجية عميقة. فمنذ اتفاق القاهرة المشؤوم، الذي أسس لواقع التضحية بلبنان، وحتى حرب السنتين عام 1975، ظل هذا المكون حجر الزاوية في الحفاظ على هوية الجنوب. التاريخ لا يدع مجالًا للشك في أن نواة صمود الجنوبيين، بغض النظر عن هوياتهم الدينية، لم تتفكك إلا حين يغدو المكون المسيحي في خطر، مما يبرز دوره الحاسم في إبراز لبنانية المنطقة.
التنوع الجنوبي: أساس لا غنى عنه للصمود
الوجود المسيحي في الجنوب الحدودي أثبت، على مدار العقود، أنه العامل الحاسم في الحفاظ على التنوع الجنوبي. هذا التنوع ليس مجرد تراث ثقافي، بل هو أساس لبنانية الجنوبيين وعامل صمود يساهم في استعادة التعافي وتعويم الدولة في مناطق غالبًا ما كانت قصتها مع السلطة المركزية معقدة وعرضة للتهلكة. في التجربة الراهنة، لا يغالي المراقبون الذين يتابعون مجريات الأمور في البلدات المسيحية، التي تعاني الحصارات، في التخوف من انقطاع عرى التواصل مع الدولة.
مخاوف التهجير والعزلة في ظل الحرب
وسط الحرب، تبرز مخاوف جدية من تعريض سكان هذه البلدات للنار المجهولة المصدر، بقصد تهجيرهم أو دفعهم نحو التعامل مع الأمر الواقع الاحتلالي الإسرائيلي، معزولين عن الدولة. إعادة انتشار الجيش أمام حصار النارين أمر، ولكن إبقاء البلدات المسيحية صامدة أمر آخر تمامًا. زيارة السفير البابوي الشجاعة تقدم خير دليل على إرادة تمتين بقاء الجنوبيين المسيحيين في أرضهم، مما يعزز الأمل في عودة مئات الآلاف من المهجرين.
حراسة اللبنانية الحل الآتي
بقاء المسيحيين في بلداتهم، من خلال وسائل تواصل الدولة معهم، سيكون رأس حربة لعودة الجنوبيين المهجرين. صمودهم ليس مجرد فعل مقاومة، بل حراسة للبنانية الحل الآتي، مهما تأخر وصوله. في وقت لا نرغب في العودة إلى تجارب الماضي التي أسست للكوارث الحالية، يظل دور مسيحيي الحدود الجنوبية حيويًا في رسم مستقبل أكثر استقرارًا للبنان.



