لاريجاني في مسقط ونتنياهو في واشنطن: سباق سياسي صامت لإدارة الأزمة الإقليمية
لاريجاني في مسقط ونتنياهو في واشنطن: سباق سياسي صامت

لاريجاني في مسقط ونتنياهو في واشنطن: سباق سياسي صامت لإدارة الأزمة الإقليمية

في لحظة إقليمية حساسة تختلط فيها مفاوضات دبلوماسية مع استراتيجيات ردع متبادلة، تتحرك العواصم العالمية على إيقاع دقيق لا يحتمل أي خطأ. زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط اليوم، الثلاثاء، ثم انتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن غداً، ليستا حدثين منفصلين، بل تعبيراً عن سباق سياسي صامت لتحديد اتجاه الرياح القادمة في منطقة الشرق الأوسط.

الجغرافيا كجزء من اللغة السياسية

في هذا المشهد المعقد، تصبح الجغرافيا جزءاً لا يتجزأ من اللغة السياسية. مسقط تمثل مساحة الالتفاف الهادئ، حيث تختبر إمكانيات التفاهم وتخفف حدة الاشتباك، فيما تمثل واشنطن ساحة الضغط المباشر، حيث ترفع السقوف وترسم الخطوط الحمراء. بين العاصمتين، تتحرك القوى الإقليمية مدفوعة بهواجسها الأمنية وحساباتها السياسية، وسط إدارة أمريكية تحاول ضبط التوازن من دون خسارة أي من أوراقها الدبلوماسية.

زيارة لاريجاني: خطوة محسوبة لا مبادرة مفتوحة

زيارة لاريجاني إلى سلطنة عمان اليوم تأتي في هذا السياق بوصفها خطوة محسوبة لا مبادرة مفتوحة. الرجل لا يحمل صفة تفاوضية تقليدية فحسب، بل يمثل نهجاً يرى في الحوار أداة إدارة أزمة لا بوابة تسوية نهائية. إيران، عبر هذه الزيارة، تبدو معنية بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه حريصة على عدم الظهور بموقع المتلقي للضغوط.

الرسالة الإيرانية، كما تلتقطها الأوساط الدبلوماسية، تقوم على مبدأ مزدوج: استعداد للنقاش، وتمسك بخطوط لا يمكن تجاوزها. هذا يعكس رغبة طهران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي مع تجنب التصعيد المفتوح الذي قد يؤدي إلى مواجهة شاملة.

استقبال نتنياهو في واشنطن: توقيت حساس

في المقابل، تتحضر واشنطن لاستقبال نتنياهو في توقيت لا يقل حساسية. رئيس الحكومة الإسرائيلية يدرك أن أي مسار تفاوضي بين أمريكا وإيران، ولو كان محدوداً، يفرض عليه التحرك سريعاً لتثبيت روايته ومخاوفه. موقف نتنياهو هنا يعكس قناعة راسخة في المؤسسة الإسرائيلية بأن التهدئة غير المشروطة قد تتحول إلى تهديد مؤجل، وأن أي اتفاق لا يراعي الهواجس الأمنية الإسرائيلية سيُنظر إليه كخلل استراتيجي.

الرؤية الأمريكية: إدارة الاستقرار الإقليمي

لكن أهمية موقف نتنياهو لا تعني تلقائياً تطابقه الكامل مع الرؤية الأمريكية. ففي واشنطن، يُنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أوسع، تتعلق بإدارة الاستقرار الإقليمي وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في وقت تتوزع فيه الأولويات الأمريكية على أكثر من ساحة دولية. الأمر الذي يفرض نقاشاً دقيقاً حول حدود الضغط وسقوف التفاهم، وهو ما يفسر حساسية اللقاء المرتقب بين الطرفين.

شد الحبال السياسية: إدارة أزمة لا حل نهائي

ما يجمع مسقط وواشنطن هو أن كلا المسارين يتحركان تحت سقف إدارة أزمة لا حل نهائي لها حتى الآن. إيران لا تملك ترف التصعيد المفتوح، وإسرائيل لا تملك القدرة على فرض خياراتها منفردة، فيما أمريكا تحاول الموازنة بين الطرفين من دون التفريط بدورها المركزي في المنطقة.

في هذا الإطار، تبدو الزيارتان جزءاً من عملية شد حبال سياسية أكثر مما هما مقدمة لتحول جذري. الساعات القادمة، تبدأ مرحلة إعادة تموضع دقيقة، حيث تختبر النيات وتقاس ردود الفعل من دون كسر الطاولة. لا مسقط تحمل وعد تسوية، ولا واشنطن تحمل قرار مواجهة.

بين العاصمتين، تدار لعبة توازن هش، عنوانها كسب الوقت، وضبط الإيقاع، ومنع الأسوأ، بانتظار لحظة إقليمية لم تنضج بعد. هذه الديناميكيات تعكس تعقيد المشهد السياسي في الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح والاستراتيجيات في سباق صامت لتحديد مصير المنطقة.