يُحمل الكاتب شاكر هاشم محجوب في مقاله القرارات الارتجالية والتركيز على بريق الدوري واستقطاب النجوم الأجانب مسؤولية تراجع المنتخب السعودي، نتيجة تهميش تطوير اللاعب المحلي وتراجع دقائق مشاركته وغياب معايير اختيار صارمة. ويستعرض نماذج اليابان وكوريا الجنوبية والمغرب التي بنت نجاحها عبر خطط طويلة المدى، وأكاديميات علمية، ورعاية المواهب المحلية ودمجها باحتراف الخارج. ويدعو الكاتب إلى ثورة تصحيحية شاملة تشمل الابتعاث المبكر، فرض دقائق لعب للمحليين، خصخصة الفئات السنية، إعادة تعريف الاحتراف سلوكيًا وذهنيًا، وربط تمويل الأندية بإنتاج المواهب ضمن منظومة إدارية محترفة ومحكومة.
الخروج المرير ليس وليد الصدفة
يبدأ الكاتب مقاله بمثل شعبي: "ليال العيد تبان من عصاريها"، مشيرًا إلى أن خروج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026 لم يكن وليد الصدفة، بل نتاجًا حتميًا لقرارات ارتجالية تخبطت في عشوائيتها، وضلت طريق التخطيط الاستراتيجي المستدام. ويوضح أن الانشغال ببريق الواجهة وبناء سمعة دوري جاذب للأضواء أدى إلى تناسي صياغة وتطوير اللاعب السعودي الذي يمتلك ملامح وعقلية المحترف الحقيقي، فكانت النتيجة ملاعب تضج بالنجوم الوافدين، ومنتخبًا ينزف هويته الفنية والبدنية في المحافل الدولية نتيجة تراجع دقائق اللعب للمحليين، وغياب معايير الاختيار الصارمة المبنية على الجاهزية المستمرة لا النجومية الزائفة.
نماذج دولية في بناء المجد الكروي
يشير الكاتب إلى أن صناعة المجد الكروي لا تُشترى بالحلول المؤقتة ولا بالظهور الإعلامي البراق، بل تُؤسس في دهاليز الفئات السنية ومراكز التطوير العلمية. ويستشهد بتجارب أمم صاغت تفوقها بالصبر والمنطق الرياضي؛ حيث وضعت اليابان خطة مئوية صامتة، ركزت على غرس الاحترافية كمنهج حياة في لاعبيه منذ الطفولة، حتى بات "الساموراي" يفكك شفرات أعتى المنتخبات العالمية بفضل الانضباط التكتيكي والسرعة، دون أن يستند على بهرج التمويل اللحظي. وعلى ذات النهج سارت كوريا الجنوبية التي مزجت بين الصلابة البدنية والذهنية الاحترافية، فصنعت جيلًا لا يهاب القوى العظمى في عالم المستديرة، وغدت رقمًا صعبًا وثابتًا في المونديال. ويقف النموذج المغربي المعاصر كشاهد إثبات قريب على أن النهضة تنطلق من رعاية المواهب المحلية في أكاديميات علمية دقيقة كأكاديمية محمد السادس، بالتوازي مع رؤية ذكية في استقطاب واحتضان الطيور المهاجرة في الملاعب الأوروبية، ليثمر هذا المزيج ملحمة تاريخية قارعوا فيها كبار الأرض وكسروا بها جدار المستحيل.
ثورة تصحيحية شاملة مطلوبة
لكي يستعيد الأخضر هيبته ويتحول هذا الواقع إلى مستقبل مشرق، يدعو الكاتب إلى صياغة ثورة تصحيحية شاملة تطال عقلية اللاعب وبنية المنظومة الإدارية على حد سواء. يبدأ التغيير الحقيقي من تفعيل برامج الابتعاث المبكر للمواهب الناشئة لمعايشة البيئات الأوروبية الصارمة، وفرض دقائق لعب دنيا للمحليين في الدوري لانتشالهم من مقاعد البدلاء، مع ضرورة خصخصة قطاع الفئات السنية وفصله عن الإدارات الجماهيرية ليدار بعقلية استثمارية بحتة.
إعادة تعريف الاحتراف
يؤكد الكاتب أن هذا التحول التنظيمي يجب أن يوازيه جهد جاد لإعادة صياغة الفكر الاحترافي ليكون وظيفيًا وقانونيًا يعتمد على الانضباط، والنوم، والتغذية السليمة، مدعومًا بإعداد نفسي مكثف لرفع المرونة الذهنية للاعب وقدرته على تحمل الضغوط، ودفع مالي واقعي عبر تخفيض سقف الأجور المحلية لتشجيعه على مغادرة منطقة الراحة والبحث عن تحديات الاحتراف الخارجي.
هيكلة المنظومة الإدارية
على الضفة الأخرى، تلتزم المنظومة الإدارية الرياضية بهيكلة صفوفها عبر تأسيس إدارات فنية مستقلة تسلم لخبراء يمتلكون مشاريع استراتيجية طويلة المدى بعيدًا عن العواطف، وربط الدعم المالي للأندية بمدى قدرتها على إنتاج وتصدير المواهب، مع حوكمة القرارات لمنع الارتجال والعشوائية في تغيير الأجهزة الفنية، وبناء شبكة كشافين وطنية رقمية متطورة تلتقط المبدعين من المدارس والأحياء.
خلاصة: فجر جديد يحتاج إلى تضحية
يختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أنه حين ندرك في رياضتنا أن بناء الإنسان الممارس يسبق تشييد الواجهات، وأن الملعب يحتاج إلى تضحية الفرد من أجل المجموع وعقلية تنشد التطور اليومي، حينها فقط سنشهد فجرًا جديدًا للأخضر، يعود فيه بطلًا يهابه الكبار، لا مجرد متابع لليالٍ تصنع تفاصيلها سواعد الآخرين.



