أستاذ بجامعة القصيم: العوامل البيئية لا الوراثة وحدها تسبب قصر النظر عند الأطفال
العوامل البيئية لا الوراثة وحدها تسبب قصر النظر

أكد الدكتور ماجد بن أحمد معافا، أستاذ البصريات المشارك بجامعة القصيم، أن قصر النظر لم يعد مجرد مشكلة بصرية بسيطة يمكن حلها بارتداء النظارة أو العدسات اللاصقة، بل أصبح ظاهرة صحية متزايدة بين الأطفال والمراهقين في العديد من دول العالم. وأشار إلى أن هذا الارتفاع لا يمكن تفسيره بالوراثة وحدها، لأن الجينات لا تتغير خلال عقود قليلة، بينما تغير نمط حياتنا بسرعة كبيرة.

ما هو قصر النظر؟

أوضح الدكتور معافا أن قصر النظر هو أحد أكثر الأخطاء الانكسارية شيوعًا، ويحدث عندما تتركز الصورة أمام الشبكية بدلاً من أن تقع عليها مباشرة. ويرجح أن ذلك يحدث غالبًا بسبب زيادة طول العين أو زيادة تحدب القرنية. ولهذا يرى الشخص الأشياء القريبة بوضوح، بينما تبدو الأشياء البعيدة مشوشة. وأضاف أنه قد يبدو للبعض أن قصر النظر مشكلة بصرية بسيطة، إلا أن الحالات العالية أو المتزايدة منه قد ترتبط بمضاعفات في العين تحتاج إلى متابعة دقيقة.

العوامل البيئية ونمط الحياة

أشار أستاذ البصريات المشارك إلى أن الاعتقاد السائد بأن قصر النظر يرتبط بالوراثة بشكل رئيس صحيح إلى حد كبير، لأن وجوده في العائلة يزيد من احتمالية ظهوره لدى الأبناء، ولكنه ليس السبب الوحيد. وأظهرت الدراسات الحديثة أن العوامل البيئية ونمط الحياة يلعبان دورًا مهمًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا مع ازدياد الاعتماد على التعليم المكثف، والأعمال القريبة، والأجهزة الذكية، وقلة التعرض للضوء الطبيعي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ساعات طويلة من النظر القريب

أوضح معافا أن من أبرز العوامل التي يجري الحديث عنها اليوم هو قضاء ساعات طويلة في القراءة أو المذاكرة أو استخدام الشاشات على مسافة قريبة، خصوصًا عندما يقابل ذلك انخفاض واضح في الوقت الذي يقضيه الطفل خارج المنزل. وأكد أن المشكلة ليست في القراءة أو التعليم بحد ذاتهما، بل في نمط يومي طويل يعتمد على النظر القريب، والجلوس في أماكن مغلقة، والتعرض المحدود لضوء النهار. وتشير كثير من الدراسات إلى أن قضاء وقت كافٍ في الهواء الطلق نهارًا قد يساعد في تقليل احتمالية ظهور قصر النظر لدى الأطفال، فالرياضة والضوء الطبيعي والمسافات البصرية الواسعة تتيح للعين الخروج من نمط التركيز القريب المستمر. وأضاف أن التوصية بزيادة وقت النشاط الخارجي بمتوسط 10 ساعات فأكثر أسبوعيًا أصبحت من أكثر التوصيات حضورًا في برامج الوقاية من قصر النظر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الأجهزة الذكية ونمط الحياة

أما فيما يخص الأجهزة الذكية، فقد أوضح الدكتور معافا أن العلاقة بينها وبين قصر النظر ما زالت محل دراسة، ولا يصح أن نحمّلها وحدها كامل المسؤولية، لكنها تصبح عاملًا مقلقًا عندما ترتبط بساعات طويلة من النظر القريب، وقلة الحركة، وضعف الإضاءة، واضطراب النوم. فالشاشة ليست المشكلة الوحيدة، وإنما نمط الحياة الذي قد تصنعه حول الطفل من جلوس أطول، وخروج أقل، ومسافة نظر أقرب. وأوضح أن بعض الباحثين يرى أن زيادة سنوات التعليم وساعات الدراسة قد تسهم في ارتفاع معدلات قصر النظر، بينما يرى آخرون أن العلاقة ليست مباشرة بهذه البساطة، والأقرب أن التعليم ليس هو المشكلة بحد ذاته، بل الطريقة التي يُمارس بها؛ من طول اليوم الدراسي، وكثرة الواجبات، والدروس الإضافية، وقلة الفسح، وانخفاض الوقت المخصص للحركة واللعب خارج الصف.

اختلافات بين الدول

أضاف أننا نجد أن دولًا ذات تعليم متقدم قد تختلف كثيرًا في معدلات انتشار قصر النظر، فبعض الدول تحقق نتائج تعليمية عالية مع معدلات أقل من قصر النظر، بينما تسجل دول أخرى، خصوصًا في شرق آسيا، معدلات مرتفعة بين الطلاب. الأمر الذي يبدو معه أن الفارق لا يعود إلى جودة التعليم وحدها، بل إلى الثقافة اليومية المحيطة بالطفل: متى يبدأ يومه؟ وكم ساعة يقضيها في الدراسة؟ وهل لديه وقت كافٍ للعب خارج المنزل؟ وهل يتعرض لضوء النهار بشكل منتظم؟

التعامل مع قصر النظر

أكد معافا أن التعامل مع قصر النظر لا ينبغي أن يقتصر على وصف النظارة أو تحديث مقاس العدسات، بل يجب أن يبدأ من تفاصيل اليوم العادي. فالطفل يحتاج إلى وقت أطول في الهواء الطلق، وإضاءة جيدة أثناء القراءة والمذاكرة، وفواصل منتظمة عند استخدام الأجهزة أو أداء الأعمال القريبة، ونوم كافٍ ومنتظم، وتوازن صحي بين الدراسة والحركة والترفيه. وأوضح أن قصر النظر ليس قدرًا وراثيًا فقط، ولا مشكلة بصرية عابرة يمكن تجاهلها، ولكنه نتيجة تداخل معقد بين الاستعداد الوراثي ونمط الحياة الحديث. وكلما انتبهنا مبكرًا لهذه العوامل، زادت فرصنا في حماية نظر الأطفال، أو على الأقل الحد من تطور المشكلة ومضاعفاتها مستقبلًا.