مع حلول الإجازة الصيفية، يتجدد القلق لدى العديد من الأسر السعودية حول كيفية استثمار أوقات أبنائهم بعيداً عن السهر في المقاهي والشوارع، وقضاء ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، واستنزاف ميزانية الأسرة في أنشطة غير مفيدة. عبارة "أين يذهب أبنائي في الإجازة الصيفية؟" التي كتبها أحد أولياء الأمور على منصات التواصل الاجتماعي، أثارت تساؤلات واسعة حول البدائل المتاحة.
تحديات الأسر في الإجازة الصيفية
يواجه أولياء الأمور تحدياً حقيقياً في إيجاد بدائل آمنة ونافعة لأبنائهم، في ظل محدودية البرامج الصيفية وغياب المراكز القادرة على استيعاب طاقات الشباب وتوجيهها نحو أنشطة تسهم في بناء الشخصية وتنمية المهارات. وأوضح عدد من أولياء الأمور أن الإجازة قد تتحول إلى عبء إذا لم تُستثمر بالشكل الصحيح، وأن الفراغ قد يدفع بعض المراهقين إلى سلوكيات غير مرغوبة أو صحبة سيئة، في حين يمكن أن تمثل الإجازة فرصة ذهبية لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات متى ما توفرت البرامج المناسبة.
آراء أولياء الأمور حول السهر والفراغ
سعود العتيبي شدد على أنه مع بداية كل إجازة صيفية لا يهدأ له بال خوفاً على أبنائه الذين يفضلون السهر حتى ساعات الفجر، ما ينعكس سلباً على تنظيم وقتهم واستثمار أيام الإجازة. ويرى عبدالعزيز السفياني أن كثيراً من الشباب لا ينظرون إلى الصيف باعتباره فرصة للاستثمار الشخصي، بل يقضونه في أنشطة لا تحقق لهم أي مكاسب مستقبلية. وشاركه الرأي محمد الزهراني بقوله: «استثمار الصيف.. آوت»، في إشارة إلى أن الإجازة لدى كثير من الشباب أصبحت تعني السهر والنوم فقط، دون الاستفادة منها في اكتساب مهارة أو خبرة جديدة. في المقابل، أوضح فهد البقمي أنه يحرص في كل عام على إلحاق أبنائه بدورات تدريبية خلال الصيف، فيما قالت نورة عسيري إنها سجلت أحد أبنائها في دورة للغة الإنجليزية خلال الصيف الماضي، واستفاد منها كثيراً في دراسته الجامعية.
الإدمان التقني والفراغ النفسي
يرى الأخصائي النفسي الدكتور عبدالله أحمد الوايلي أن الفراغ النفسي، سواء كان زمنياً أو عاطفياً، يعد من أبرز التحديات التي تواجه الشباب، مبيناً أن المشكلة لا تكمن في غياب العمل فحسب، وإنما في غياب المعنى والهدف. وأضاف أن الفراغ يقود إلى الشعور باللامبالاة وفقدان الشغف والاغتراب الداخلي، وقد يتطور إلى القلق والاكتئاب، وربما يدفع بعض الشباب إلى السلوكيات السلبية أو الإدمان بمختلف أشكاله، ومن بينها الإدمان التقني. وأكد أن غياب الأهداف يؤدي إلى التشتت الذهني وضعف الطاقة النفسية، داعياً إلى توجيه الشباب نحو العمل التطوعي وممارسة الهوايات والرياضة وتنمية المهارات الشخصية والاجتماعية. وأشار إلى أن الإنسان يحتاج دائماً إلى أهداف وإنجازات تمنحه الشعور بالقيمة والكفاءة، وأن استثمار الوقت في العمل أو التعلم أو الرياضة أو التطوع يعزز الصحة النفسية ويمنح الفرد الاستقرار والثقة بالنفس والاتزان الانفعالي.
العطلة ليست راحة بل فرصة للإعداد
الباحث التربوي مخلد الروقي يرى أن الإجازة الصيفية تمثل فرصة ثمينة ينبغي للشباب استثمارها في ما ينفعهم، لا أن تُستنزف في السهر الطويل والتنقل بين الألعاب الإلكترونية والمقاهي. وأوضح أن الشباب الواعي يدرك أن ساعات الإجازة يمكن أن تتحول إلى رصيد من المعرفة والخبرة والمهارة، مبيناً أن من أبرز مجالات الاستثمار تعلم مهارات الحاسب الآلي، وتنمية اللغة الإنجليزية، والقراءة، والالتحاق بالدورات التدريبية التي تواكب متطلبات العصر وسوق العمل. وأضاف الروقي أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية روح المبادرة، وتحمل المسؤولية، مؤكداً أن الأمم تتقدم بعقول شبابها وسواعدهم، وأن كل ساعة يقضيها الشاب في التعلم والتطوير تمثل خطوة نحو مستقبل أكثر نجاحاً وتميزاً، واختتم حديثه بالتأكيد على أن العطلة الحقيقية ليست راحة من الدراسة أو العمل فحسب، وإنما فرصة للإعداد الجاد للمستقبل وصناعة الإنجاز.
دور مراكز الأحياء في استثمار أوقات الشباب
يرى أمين جمعية مراكز الأحياء سابقاً بجدة المهندس حسن الزهراني أن مراكز الأحياء، لا سيما النموذجية منها، تعد من أهم المتنفسات الآمنة للشباب والفتيات، إذ تضم قاعات تدريب وملاعب رياضية وبرامج تنموية متنوعة تسهم في استثمار أوقات الفراغ خلال الصيف. وهذه المراكز تقدم برامج تطويرية تشمل الدورات الإدارية، والتنمية الذاتية، والحاسب الآلي وتقنياته، وكثير منها يقدم مجاناً أو برسوم رمزية مع شهادات معتمدة تؤهل الشباب لسوق العمل. وأضاف أن مراكز الأحياء المنتشرة في منطقة مكة المكرمة أُنشئت لاستثمار طاقات الشباب الذين يشكلون ما بين 60 و70% من المجتمع، مؤكداً أن استثمار أوقاتهم في بيئة تجمع بين الترفيه والفائدة يسهم في إعداد جيل قادر على قيادة المستقبل. وأشار إلى أن هذه المراكز أسهمت في مشاركة عدد من الشباب في منافسات رياضية وعلمية دولية، كما شاركت في توظيف عدد منهم بالتنسيق مع الجهات المختصة، ولم تغفل برامجها ذوي الهمم الذين كان لهم نصيب من مختلف الأنشطة. وأكد أن الشباب يمثلون أساس التنمية في أي مجتمع، ولذلك ينبغي أن تكون مراكز الأحياء شريكاً رئيسياً في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، مع إشراك الشباب أنفسهم في اختيار البرامج التي تلبي احتياجاتهم.
50 ألف فرصة وظيفية صيفية سنوياً
أستاذ الإدارة والأعمال بجامعة الطائف الدكتور جمعان الزهراني يشير إلى أن الوظائف الصيفية تمثل فرصة ذهبية لطلاب وطالبات المرحلتين الثانوية والجامعية لاكتساب الخبرات العملية، وتنمية مهارات التواصل، وبناء العلاقات المهنية، إلى جانب تعزيز الثقة بالنفس. وهذه الفرص تسهم في صقل شخصية الطلبة، واستثمار أوقاتهم في ما يعود عليهم بالنفع، كما تمنحهم خبرة عملية حقيقية في بيئات العمل المختلفة. وأشار الزهراني إلى أن فرص العمل الصيفية تتنوع بين البرامج التدريبية التي تقدمها الشركات الكبرى، والوظائف المؤقتة، والأعمال الحرة، لافتاً إلى أن شركات وطنية كبرى توفر برامج تدريب وتأهيل مخصصة لطلاب المرحلتين الثانوية والجامعية. وأكد أن بعض الشركات تطرح وظائف موسمية برواتب ومكافآت مجزية، داعياً الجهات التعليمية إلى توسيع شراكاتها مع القطاع الخاص لإتاحة فرص وظيفية صيفية لطلابها، بما يعزز التكامل بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل. وتوقع الزهراني أن يتجاوز عدد الوظائف الصيفية المطروحة سنوياً 50 ألف فرصة، وهو ما يعكس أهمية استثمار الإجازة الصيفية بالنسبة للطلاب والجهات المشغلة على حد سواء.
الإجازة فرصة مثالية للتحصيلي والقدرات
الأخصائية الاجتماعية آمال عبدالقادر تقول إن الإجازة الصيفية ليست مجرد فترة للراحة والترفيه، بل تمثل فرصة حقيقية لتشكيل شخصية الأبناء وتنمية قدراتهم في بيئة أقل ضغطاً من العام الدراسي. وأضافت أن طريقة استثمار وقت الفراغ تنعكس بصورة مباشرة على سلوك الفرد وثقته بنفسه وقدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، ومع الانتشار الواسع للأجهزة الإلكترونية أصبح من الضروري توجيه الأبناء نحو أنشطة أكثر فائدة، مثل تعلم اللغات، وتنمية المهارات التقنية والفكرية، والمشاركة في البرامج التطوعية والمبادرات المجتمعية التي تعزز روح التعاون والانتماء. وأكدت آمال عبدالقادر أن الإجازة تمثل فرصة مثالية لطلاب المرحلة الثانوية للاستعداد المبكر لاختبارات القدرات والتحصيلي بعيداً عن ضغوط الدراسة، بما يسهم في رفع جاهزيتهم الأكاديمية. وأضافت أن الاستثمار الحقيقي للإجازة لا يقاس بعدد ساعات الترفيه، وإنما بما يكتسبه الفرد خلالها من مهارات وخبرات وقيم إيجابية، مؤكدة أن كل تجربة تعليمية أو تدريبية أو تطوعية تسهم في إعداد جيل أكثر وعياً وقدرة على مواجهة المستقبل. وشددت على أن المطلوب ليس تحويل الإجازة إلى مدرسة أخرى، وإنما تحقيق التوازن بين الترفيه والاستثمار، لأن أثر ما يتعلمه الطالب خلال الصيف قد يمتد سنوات طويلة.
الإجازة ليست وقتاً يُقتل
في رأي محاضرة الإعلام بجامعة الطائف الدكتورة عزيزة الحارثي، أن الإجازة الصيفية لم تعد مجرد توقف عن الدراسة أو العمل، بل أصبحت مساحة زمنية ثمينة يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً في حياة الإنسان. وأضافت أن السؤال لم يعد: «أين سنذهب؟»، بل أصبح: «ماذا سنستثمر في صيفنا؟»، في زمن تتسارع الأمم والأفراد بصورة تجعل كل يوم يمر دون هدف فرصة ضائعة. وأكدت أن الإجازة ليست عدوة للإنتاجية، بل أحد أهم أدواتها إذا أحسن استثمارها، مشيرة إلى توافر العديد من المنصات والمراكز التي تقدم برامج تطويرية وتطوعية واقتصادية متنوعة. وأوضحت أن من أبرز تلك الجهات مراكز التنمية الاجتماعية التابعة لوزارة الموارد البشرية والمعاهد التقنية والمهنية، والغرف التجارية، إضافة إلى المنصات الإلكترونية التي تقدم برامج مجانية ومعتمدة. وأشارت إلى أن منصة «دروب» التابعة لصندوق تنمية الموارد تقدم برامج تدريبية مجانية في مجالات متعددة، منها الأمن السيبراني، وأمن المعلومات، والمهارات اللغوية. وأكدت أن أي مهارة رقمية يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل من خلال العمل الحر أو المشاريع الصغيرة، بما يحول الفرد من مستهلك إلى منتج. كما لفتت إلى أهمية العمل التطوعي من خلال الأندية الطلابية، والمنصة الوطنية للعمل التطوعي، والجمعيات الخيرية، لما يحققه من تعزيز للانتماء المجتمعي والثقة بالنفس. واختتمت الحارثي حديثها بالتأكيد على أن للإعلام دوراً محورياً في نشر ثقافة استثمار الوقت، وتسليط الضوء على النماذج الملهمة من الشباب الذين غيروا مسار حياتهم عبر دورة تدريبية أو معسكر أو تجربة تطوعية، مؤكدة أن الإجازة ليست وقتاً يُقتل، بل رأسمال ينبغي استثماره، وأن كل يوم فيها قد يكون بداية لمسار جديد نحو مستقبل أكثر نجاحاً.



