دعوة لبناء منتخب وطني من جذور الطفولة
بعد المشاركة الأخيرة للمنتخب السعودي في كأس العالم، ترى الكاتبة منى العتيبي أن الوقت قد حان للتحول نحو كأس العالم 2034 كمشروع وطني يبدأ من اليوم. وتلاحظ أن معظم النقاشات تدور حول الملاعب والبنية التحتية والمواصلات والفنادق، وهي أمور مهمة لكنها ليست الأهم بالنسبة لها. ما يشغلها أكثر هو المنتخب السعودي نفسه، وتطرح السؤال: هل بدأنا بالفعل بناء المنتخب الذي يستحق أن يكون وجه المملكة في هذا الحدث التاريخي؟
بناء المنتخب يبدأ من الطفل لا من البطولة
تؤكد العتيبي أن المنتخبات الكبرى لا تبدأ من بطولة أو مدرب جديد أو قائمة لاعبين جاهزة، بل تبدأ من طفل في العاشرة من عمره يركض خلف الكرة في ملعب بسيط وهو يحمل حلماً كبيراً. وتحذر من انتظار لاعب بلغ الخامسة والعشرين ثم البحث عن حلول سريعة، فهو محاولة لتعويض سنوات كان يفترض أن تُستثمر مبكراً. وتضيف: «إذا أردنا أن يكون كأس العالم 2034 بطولة سعودية بكل تفاصيلها، فعلينا أن نتعامل مع السنوات القادمة بوصفها معسكر إعداد يمتد لعقد كامل، لا لموسم أو موسمين».
إعادة تعريف الموهبة وبرنامج وطني متكامل
ترى العتيبي أن البداية الحقيقية ليست في استقطاب المواهب فحسب، بل في إعادة تعريف معنى «الموهبة» نفسها. فما زلنا نقيس اللاعب بعدد أهدافه أو سرعته أو مهارته الفردية، بينما كرة القدم الحديثة تقيس أشياء أعمق: سرعة اتخاذ القرار، الذكاء تحت الضغط، القدرة على قراءة الملعب قبل وصول الكرة، والتكيف مع تغير إيقاع المباراة. وهذه القدرات لا تولد مكتملة بل تُبنى بالتدريب المتخصص وتترسخ كلما بدأت في عمر مبكر. وتتمنى إنشاء برنامج وطني خاص بالمنتخب السعودي يبدأ من عمر العاشرة، لا يكتفي باختيار أفضل اللاعبين بل يعمل على صناعة أفضل العقول الكروية، يجمع بين التدريب البدني والتحليل الذهني والتغذية وعلم النفس واللغة الإنجليزية والإعلام.
فكرة «جواز التطوير» الرقمي لكل لاعب موهوب
تقترح العتيبي فكرة قد تصنع فارقاً حقيقياً: أن يكون لكل لاعب موهوب «جواز تطوير» رقمي يرافقه منذ سن العاشرة، لا يقتصر على تسجيل الأهداف أو عدد المشاركات، بل يوثق تطوره الذهني وانضباطه وسرعة تعلمه ونسبة تحسن قراراته داخل المباراة واستجابته للضغوط. عندها لن نحكم على اللاعب بلقطة جميلة أو مباراة استثنائية، بل بمسار نمو متكامل يمتد سنوات.
مجموعة ثابتة من 50 لاعباً لرحلة تطوير 10 سنوات
تطرح العتيبي فكرة أخرى تستحق التجربة: بدلاً من جمع المواهب في معسكرات قصيرة تنتهي بانتهاء البطولة، لماذا لا نكون مجموعة ثابتة من خمسين لاعباً في عمر متقارب يعيشون معاً رحلة تطوير تمتد عشر سنوات؟ ليس الهدف أن يحققوا بطولة للناشئين، بل أن يصلوا إلى كأس العالم وهم يعرفون بعضهم بعضاً كما يعرفون أنفسهم. فالانسجام الحقيقي لا يُشترى ولا يُصنع في أسابيع، بل يتشكل عبر السنوات.
البحث عن المواهب خارج ملاعب كرة القدم
ترى العتيبي أن البحث عن المواهب يجب ألا يقتصر على ملاعب كرة القدم، ففي ألعاب القوى عداؤون يمتلكون سرعة استثنائية، وفي الجمباز لاعبون يتمتعون بتوازن ومرونة نادرين، وفي الألعاب القتالية رياضيون يملكون سرعة رد فعل عالية وانضباطاً ذهنياً لافتاً. بعض هؤلاء قد يصبح، إذا اكتشف مبكراً، لاعب كرة مختلفاً تماماً. وتسأل: «لماذا نحصر البحث داخل ملعب واحد، بينما قد تكون الموهبة تنتظرنا في مضمار أو صالة رياضية أخرى؟»
ختاماً: الملاعب تُبنى في سنوات، واللاعب العالمي يحتاج عقوداً
تختتم العتيبي بقناعتها بأن الملاعب يمكن أن تُبنى في سنة أو سنتين أو ثلاث، أما اللاعب العالمي فلا يُبنى إلا عبر سنوات طويلة من العمل المتواصل. وتدعو إلى البدء اليوم من حيث يبدأ كل منتخب عظيم: من الطفل، لا من البطولة.



