كشف تقرير نشره موقع "Bolde" المتخصص في الصحة النفسية أن التمسك بعادات يومية بسيطة، مثل استخدام الكوب نفسه لشرب القهوة أو الجلوس في المقعد المعتاد بالمقهى، لا يعني بالضرورة رفض التغيير، بل قد يكون وسيلة فعّالة لتقليل الجهد الذهني وتوجيه طاقة الدماغ نحو القرارات الأكثر أهمية.
آلية الدماغ لتقليل إرهاق القرارات
أوضح التقرير، استناداً إلى آراء خبراء علم النفس، أن الإنسان يتخذ مئات القرارات يومياً، بدءاً من اختيار الملابس والطعام وصولاً إلى القرارات المهنية والعائلية. هذا العدد الهائل من الخيارات يدفع الدماغ إلى تحويل بعض الخيارات المتكررة إلى عادات تلقائية للتخفيف مما يُعرف بـ"إرهاق اتخاذ القرار". فبدلاً من استهلاك الطاقة الذهنية في كل مرة لاختيار الكوب أو المقعد، يقوم الدماغ بأتمتة هذه القرارات لتوفير الجهد للقرارات الأكثر أهمية.
تعزيز الاستقرار لا علامة على الجمود
يرى الخبراء أن الروتين اليومي يمنح الدماغ شعوراً بالألفة والأمان، لا سيما في الفترات التي تزداد فيها الضغوط والتغيرات. فوجود عناصر ثابتة، كالكوب المفضل أو المقعد المعتاد، يساعد على تقليل التوتر وتحسين القدرة على التركيز، خصوصاً في مستهل اليوم. كما يفسّر علم النفس البيئي ميل كثيرين إلى اختيار المكان ذاته في المكتب أو الفصل الدراسي أو المقهى بمفهوم "الإقليمية" (Territoriality)، إذ يشعر الإنسان براحة أكبر في المكان الذي اعتاده ويعتبره جزءاً من مساحته الشخصية، حتى وإن لم يكن ملكاً له.
متى يصبح الروتين مشكلة؟
يشدد التقرير على أن التمسك ببعض العادات لا يعني الخوف من التغيير، طالما أن الشخص قادر على التكيّف مع المستجدات وتجربة أشياء جديدة عند الحاجة. أما إذا تحوّل الروتين إلى رفض لأي تغيير مهما كان بسيطاً، أو صاحبه شعور مفرط بالقلق عند كسر العادات، فقد يكون ذلك مؤشراً يستدعي تقييم الأسباب النفسية الكامنة وراء هذا السلوك. وينبه الخبراء إلى أن الفرق بين العادة الصحية والروتين المرضي يكمن في المرونة: فالعادة تخدم الشخص، أما الروتين المقيد فيسيطر عليه.
نصائح للاستفادة من الروتين
ينصح خبراء علم النفس بتثبيت بعض تفاصيل اليوم، كموعد الاستيقاظ والإفطار ومكان العمل، لتقليل عدد القرارات اليومية، مع الإبقاء على مساحة للتجديد بين الحين والآخر، للحفاظ على مرونة التفكير والقدرة على التكيّف. يمكن البدء بتغيير بسيط، مثل تجربة مشروب جديد أو تغيير ترتيب الأنشطة الصباحية، لتحفيز الدماغ على البقاء منفتحاً للتجديد دون التخلي عن فوائد الروتين.
ويخلص التقرير إلى أن استخدام الكوب نفسه أو الجلوس في المقعد ذاته ليس دليلاً على الملل أو ضعف الشخصية، بل يعكس آلية ذكية يعتمدها الدماغ للحفاظ على موارده الذهنية. ويؤكد الخبراء: "الدماغ لا يكره التغيير، لكنه يفضّل عدم إهدار طاقته في قرارات يمكن حسمها مرة واحدة".



