مشتل الخرج.. منتزه العائلات السعودية في الثمانينيات والتسعينيات
مشتل الخرج.. منتزه العائلات السعودية في الثمانينيات

تحوّل مشتل الخرج، الذي أُنشئ في عهد الملك عبدالعزيز عام 1934 كمشروع تجريبي لاستزراع الشتلات ضمن مشروع الخرج الزراعي، إلى واحدة من أبرز الوجهات الترفيهية العائلية لسكان الرياض والمنطقة الوسطى خلال الثمانينيات والتسعينيات الميلادية. وبفضل مساحاته الخضراء وقنوات الري وحقوله النموذجية في محافظة الخرج، لعب دوراً مزدوجاً كمعلم زراعي وسياحي، ورسّخ مكانته في الذاكرة الاجتماعية لجيل كامل كرمز للنزهات العائلية قبل ظهور المنتجعات الحديثة.

نشأة المشتل وتحوله إلى منتزه

أسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مشروع الخرج الزراعي عام 1934 كأقدم المشاريع الزراعية في السعودية، بهدف تأمين احتياجات السكان من التمور والخضار والفواكه، ومنتج البرسيم لأعلاف المواشي. وكان المشتل جزءاً من هذا المشروع، حيث أُنشئ كمحطة تجارب واستزراع الشتلات. ومع مرور السنوات، تحول المشتل إلى متنزه يعد الأشهر في المنطقة، واستقطب آلاف الزوار من مختلف مناطق المملكة، خصوصاً خلال الثمانينيات والتسعينيات.

يقع المشتل في محافظة الخرج جنوب العاصمة الرياض، ضمن المشروعات الزراعية الحكومية الهادفة إلى دعم التشجير والإنتاج النباتي. ومع اتساع مساحاته وتنوع أشجاره ونباتاته، أصبح مقصداً للزوار والعائلات والرحلات المدرسية، حتى تحول تدريجياً إلى واحد من أشهر المواقع الترفيهية في المنطقة الوسطى.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

رحلة إلى الطبيعة قبل عصر المنتجعات

في تلك الفترة، كانت خيارات الترفيه محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم، لذلك شكّل المشتل متنفساً طبيعياً للعائلات السعودية التي كانت تبحث عن الأجواء المعتدلة والمساحات الخضراء بعيداً عن صخب المدن. وكانت الرحلة من الرياض إلى الخرج تمثل جزءاً من المتعة نفسها، حيث اعتادت الأسر الانطلاق في الصباح الباكر محملة بوجبات الطعام ومستلزمات الرحلات اليومية، لقضاء ساعات طويلة بين الأشجار والمسطحات الخضراء وقنوات الري والمزارع المحيطة.

اشتهر المشتل بمساحاته الخضراء الواسعة وأشجار النخيل والأشجار الظليلة ومشاتل النباتات المختلفة، إضافة إلى قنوات الري والحقول الزراعية النموذجية التي كانت تعكس نجاح تجربة الزراعة في محافظة الخرج. كما ضم مناطق جلوس مفتوحة وأماكن مخصصة للنزهات العائلية، إلى جانب بيئة طبيعية جذبت محبي التصوير والطبيعة والرحلات المدرسية التي كانت تزوره بشكل منتظم للتعرف على أنواع النباتات وأساليب الزراعة الحديثة آنذاك.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الخرج مركز زراعي وأهمية المشتل

لم يكن اختيار الخرج لإنشاء هذا المشروع أمراً عشوائياً، إذ تُعد المحافظة واحدة من أهم المناطق الزراعية في المملكة، واشتهرت لعقود طويلة بإنتاج التمور والخضروات والألبان، كما لعبت دوراً محورياً في دعم الأمن الغذائي السعودي. وساهمت وفرة المياه الجوفية وخصوبة الأراضي في تحويل الخرج إلى مركز زراعي مهم، ما جعل المشتل جزءاً من منظومة زراعية متكاملة عرفت بها المحافظة لعقود طويلة.

أنشئ المشتل ضمن مشروعات وزارة الزراعة والمياه سابقاً، في إطار خطط التوسع الزراعي والتشجير التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية، وكان الهدف الأساسي منه إنتاج الشتلات والأشجار وتوفيرها للمزارعين والجهات الحكومية ومشروعات التشجير في مختلف مناطق المملكة.

ذاكرة اجتماعية لا تزال حية

ورغم التطور الكبير الذي شهدته المملكة في قطاع السياحة والترفيه خلال السنوات الأخيرة، لا يزال مشتل الخرج حاضراً في ذاكرة الكثير من السعوديين الذين يتذكرون رحلات الطفولة والنزهات العائلية التي كانت تبدأ مع شروق الشمس وتنتهي مع غروبها بين الأشجار والمزارع. ويستعيد رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر صوراً وقصصاً من تلك الحقبة، مؤكدين أن المشتل كان بالنسبة لكثير من العائلات السعودية وجهة صيفية متكاملة قبل ظهور المنتزهات الحديثة والوجهات السياحية الكبرى.

وبالنسبة لأبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات، يبقى مشتل الخرج أكثر من مجرد مشروع زراعي؛ بل جزءاً من ذاكرة اجتماعية وسياحية شكلت ملامح الترفيه العائلي في المملكة قبل أربعة عقود. الصور من حساب الأستاذ سعود الخريف على منصة إكس.