فاتورة الهاتف الأرضي: قصة 45 عاماً من الانتظار والتحديات في الكويت
في بداية ثمانينيات القرن الماضي، كانت أعداد خطوط الهواتف الأرضية في الكويت تقارب 550 ألف خط، حيث شكلت العمود الفقري للاتصالات الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تشغيل أجهزة التلكس وغيرها من الخدمات الحيوية. ومع ذلك، واجهت هذه الشبكة تحديات جسيمة بسبب سوء أنظمة وخدمات وزارة المواصلات آنذاك، مما دفع إلى اتخاذ خطوات جذرية لتطوير القطاع.
محاولة الخصخصة والفوضى في العناوين
في محاولة لتحسين الخدمات، تقرر خصخصة قطاع طباعة فواتير الهاتف وتوزيعها شهرياً على المشتركين. لكن هذه المهمة لم تكن سهلة على الإطلاق، حيث سادت فوضى كبيرة في العناوين، مع غياب تام لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، مما جعل عملية التوزيع معقدة وغير فعالة.
تقدمت عدة شركات للمناقصة، حيث تراوحت أسعار عروض غالبية هذه الشركات حول مليون دينار كويتي سنوياً. ومع ذلك، شذ عن هذه العروض عرض واحد قدمه متعهد تعهد بتنفيذ المهمة مقابل مبلغ زهيد بلغ 75 ألف دينار فقط. هذه الحقيقة كانت معروفة لدى العاملين في وزارة المواصلات في ذلك الوقت، وكذلك لدى الشركات التي تقدمت للمناقصة، بما في ذلك شركة يديرها الصديق هشام السلطان.
فشل المناقصة وعواقبها الطويلة الأمد
بإصرار من الوزير، طبقت لجنة المناقصات قانون المناقصات والترسية على صاحب السعر الأقل، على الرغم من إدراك الجميع بوجود خطأ ما في هذا العرض. وقد تبين لاحقاً صحة هذه المخاوف، حيث تمت مصادرة الكفالة المصرفية للمتعهد، وألغيت المناقصة بالكامل. ومنذ ذلك اليوم، توقف إرسال فواتير الهاتف الأرضي للمشتركين، مما أجبر المستخدمين على مراجعة الوزارة شخصياً لمعرفة تكلفة مكالماتهم الخارجية أو تفاصيلها.
استمرت هذه المعاناة لأكثر من ثلاثين عاماً، قبل أن يخفف من وطأتها في السنوات القليلة الماضية ظهور تطبيقات مثل واتساب، التي أتاحت إجراء المكالمات الخارجية مجاناً، مما غير بشكل جذري طبيعة الاتصالات.
مشروع بيون: أمل جديد لتطوير شبكة الاتصالات
تذكرت هذه القصة الكلاسيكية بعد قراءة قرار لجنة مشروعات الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، الذي اعتمد شركة بيون كمستثمر فائز في مشروع تطوير شبكة الاتصالات في الكويت. صرحت المديرة العامة لهيئة مشروعات الشراكة بالتكليف، أسماء الموسى، بأن قرار الترسية يمثل محطة استراتيجية جديدة في مسيرة التحول الرقمي، بهدف توفير شبكة اتصالات ثابتة ومتطورة في جميع مناطق الكويت، تتيح سرعات إنترنت تصل إلى 10 غيغابايت في الثانية.
وفقاً لوكالة الأنباء الكويتية (كونا)، أكدت الموسى أنه سيتم تخصيص ما لا يقل عن 65% من إجمالي الوظائف في شركة المشروع للمواطنين الكويتيين، مع طرح 50% من أسهم الشركة للاكتتاب العام. وهذا القرار يأتي في إطار جهود لتعزيز الشمولية الرقمية وخدمة القطاعين العام والخاص.
تحديات الاكتتاب العام ودروس الماضي
نأمل ألا تظهر فتاوى متطرفة تحرم الاكتتاب في هذه الشركة، كما حدث مع شركات أخرى في الماضي، والتي أصبحت لاحقاً من أكثر الشركات ربحية. وكان أكبر المتضررين من عدم الاكتتاب في أسهم تلك الشركات هم ذوو الدخل المحدود، الذين استمعوا لفتاوى معينة، بينما استفاد ذوو الدخل الأعلى من زيادة حصصهم بعد انسحاب البعض من الاكتتاب.
تجدر الإشارة إلى أن شركة بيون هي شركة بحرينية متخصصة في تطوير وتقديم منتجات وخدمات مبتكرة، تهدف إلى إنشاء وتعزيز مجتمعات رقمية أكثر شمولية. تأسست الشركة عام 1981، وهو العام نفسه الذي توقفت فيه وزارة المواصلات الكويتية عن إرسال فواتير الهاتف الأرضي، مما يجعل هذا التوقيت رمزياً بعد 45 عاماً من الانتظار لتطوير جدي في أنظمة الوزارة.
هذا المقال يسلط الضوء على رحلة طويلة من التحديات والإصلاحات في قطاع الاتصالات الكويتي، مع التركيز على أهمية التحول الرقمي والاستثمار في البنية التحتية الحديثة لمواكبة متطلبات العصر.
