يوسف الديني: أزمات الحداثة والأصالة مفتعلة وتبرئة كتبة التراث وهم
يوسف الديني: أزمات الحداثة والأصالة مفتعلة

يؤكد الكاتب والباحث يوسف الديني أن أزمات الحداثة والأصالة هي أزمات مفتعلة، وأن تبرئة كتبة التراث من المسؤولية هي مجرد وهم. جاء ذلك في حوار خاص مع صحيفة عكاظ، حيث تناول الديني قضايا التراث والتعامل معه في العصر الحديث.

النصوص التراثية وتفاوت الحقب الزمنية

يرى الديني أن النصوص التراثية التي تعالج أوضاعاً إنسانية تعبر عن قناعات وثقافات خاصة، وأن أكثر النصوص إيحاءً بهذا التفاوت هي نصوص الأزمة التي كُتبت في لحظات مفصلية تاريخية. ويضيف أن هذه النصوص غالباً ما تُنزع عن سياقها التاريخي، وتستخدم كأدوات للصراع والإقصاء.

استثمار التراث كأداة صراع

يشير الديني إلى أن جزءاً من التراث يُستثمر كأدوات احتراب في شبكة من الإقصاء وشرعنة العنف، بدلاً من تقديمه كمعرفة. ويوضح أن الذي يتغير هو الأشكال والمصطلحات، بينما يبقى المضمون على حاله: دعوى امتلاك الحقيقة واختزال التجربة الحضارية لصالح مجموعة صغيرة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الريبة من التراث

يؤكد الديني أنه لا يشعر بالريبة من التراث نفسه، بل من طريقة استغلاله حين يُقرأ ككتلة واحدة منزوعة عن سياقها التاريخي، متعالية على واقعها. ويضيف أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التراث من شاهد على زمانه إلى سلاح ضد زماننا، وعندما يُستخدم كأداة تعبئة قسرية ضد منطق الحياة.

التراث وأزمات الحداثة

يرى الديني أن التراث يمكن أن يخلق أزمة، وهو جزء من أزمات الحداثة والأصالة المفتعلة، وهي ثنائية تعيد إنتاج نفسها منذ البدايات المبكرة للتاريخ الثقافي العربي.

النظر إلى التراث بعينين

يصف الديني نظراته إلى التراث بأنها بعينين: الأولى تنظر بإنصاف وإعجاب بتنوعه وقدرته على الإبداع، والثانية تنظر بمساءلة دون تحيز حين ينزلق التراث إلى أداة استبداد ثقافي أو يقع في فخ التعصب.

التعامل مع التراث

يعتقد الديني أن التعامل مع التراث يجب أن يكون بوصفه أنساقاً لأطياف متعددة داخل طبقات وتيارات متنوعة، وأن العدل في احترام التراث دون تقديس ساذج أو قطيعة رعناء.

كتبة التراث

ينفي الديني أن يكون كتبة التراث أبرياء حد التسليم بكل ما كتبوه، مؤكداً أنهم بشر لهم انحيازاتهم المفهومية والسياسية والمذهبية، وأن الإشكالية تبدأ بالخلط بين القيمة التاريخية والقيمة المطلقة للتراث.

جنايات التراث على المعاصرة

يرى الديني أن تعبير "جناية" هو بحد ذاته جناية تعبيرية، ويؤكد أن تأثير التعاطي السلبي مع التراث واضح، لكن تحميل التراث وحده أسباب فشل المعاصرين هو ظلم. المشكلة ليست في النصوص التراثية، بل في استدعائها من قبل المعاصرين كأجوبة نهائية جاهزة.

تفادي ثورية التراث

يؤكد الديني أن التراث لا يثور من تلقاء نفسه، بل يتحول إلى هوية مأزومة عنيفة لشخصيات تبحث عن خلاص متوهم. الحل ليس في إدانته، بل في تحريره من الاستخدام التعبوي وإعادته إلى مجال الفهم والقراءة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التطرف ومغذياته

يرى الديني أن التطرف لا يعود، بل هو كامن وباقٍ، يُنتَج بشروط جديدة متى توفرت ثلاثة أركان: فكرة مغلقة متخيلة، واقع سياسي أو اجتماعي مأزوم، وفراغ مؤسساتي. ويضيف أن التطرف عرض لمرض أعمق، وأن القراءة الانتقائية للتراث وضعف التربية النقدية وهشاشة المجال العام تغذيانه.

العنف كتعبير عن فشل

يعبر العنف غالباً عن فشل حياة مدنية في كنف دولة مؤسسات قوية، وكلما قويت مؤسسات الدولة تضاءلت فرص تحول التطرف الكامن إلى واقع. ويرى الديني أن تفسير التطرف بالنصوص أو التراث هو تفسير ساذج، وأن العنف ليس بالضرورة دينياً، بل هو أزمة معنى.

تنقية التراث

يرى الديني أن تنقية التراث ليست عملية جراحية، بل هي عمليات طويلة ضمن تفاعلات التأويل والسلطة. ويشير إلى أن بقاء هيمنة التراث كسلطة ثقافية يغذيها الالتباس، وكثير من مشاريع القراءة النقدية تقع في خطأ التبسيط المخل أو العداء الفج للتراث.

التعامل مع التراث بأدوات تحليلية

يؤكد الديني حاجتنا إلى تفكير بأدوات تحليلية لمعرفة ما هو تاريخي وأخلاقي واجتهادي، وكيف وُلد كل منها في سياقه الخاص. ويرى أن تراثنا الضخم بحاجة إلى أعمال مؤسسية مبنية على شجاعة معرفية وفضاء عام إيجابي.

انفراط عقد الثقافة

يرى الديني أن الثقافة تعيش زمن التدفق والاستهلاك على حساب التمثل، وأن الثقافة صارت موضات اقتناء أكثر من حالة ذهنية. ويشير إلى أن المشكلة ليست في كثرة الوافد، بل في ضعف المناعة الثقافية الذاتية.

المنظرون الغربيون

ينتقد الديني بعض المنظرين الغربيين مثل فوكوياما، الذين ساهموا في صناعة أوهام الخطابات السياسية المتطرفة، ويعتبر أن لحظة "نهاية التاريخ" عبرت عن نشوة حضارية محمومة رأت في النموذج الليبرالي الغربي أفقاً نهائياً مغلقاً.

إشكالية العالم الإسلامي

يرى الديني أن إشكالية العالم الإسلامي تبدأ من المفهوم نفسه، الذي يخلط بين الأمة الجماعة الإيمانية وبين وحدة جيوسياسية صلبة. ويؤكد أن المشكلة ليست في الإسلام، بل في تحويله إلى كتلة مغلقة تُقرأ بها كل الصراعات.

مفاتيح الحلول

يشير الديني إلى أن مفاتيح الحل ليست عند جهة واحدة، بل في مقاربة مركبة تقودها الدولة من خلال مؤسسات التعليم والقانون والثقافة والتنمية، مع إرادة سياسية قوية تستثمر في المواطنين وتطور عقلاً نقدياً متحرراً من الأيديولوجيات.

الفقر البحثي في العالم العربي

يرى الديني أن وصف العالم العربي بالفقر البحثي قد يكون مجحفاً، لكن المؤسسات البحثية تعاني من نقص في البيانات والإحصاءات والتمويل المستقل، رغم وجود حراك جيد على مستوى إنتاج المعرفة.

تحقيق التراث

يعترف الديني بوجود جهود مشكورة في تحقيق التراث، لكنها ما زالت محصورة في المدرسة التقليدية التي تركز على التكنيك، بينما تحتاج إلى دراسة تمهيدية تقرأ النص ضمن شروط إنتاجه وتكشف بنيته المفهومية وتحيزاته.

المحافظة على الثقافة الصلبة

يختتم الديني بالقول إن المحافظة على الثقافة الصلبة المعززة للهوية تتطلب ثلاثة محددات: هوية وطنية راسخة، تعليم جاد، وثقافة حية قادرة على التكيف والتجدد دون فقدان تماسكها وجذورها.