بعد سنوات من التأجيل، يستعد فيلم السيرة الذاتية المنتظر "مايكل" لدخول دور السينما ابتداءً من 24 نيسان (أبريل)، في واحد من أكثر الأعمال السينمائية ترقبًا وإثارة للجدل هذا العام. فالفيلم لا يروي فقط مسيرة أحد أشهر نجوم الموسيقى في التاريخ، بل يقترب من حياة لا تزال حتى اليوم ساحة صراع بين الإعجاب الفني والاتهامات الثقيلة والأسئلة التي لم تُغلق.
منذ الإعلان عن المشروع، بدا واضحًا أن الفيلم لن يكون مجرد عمل فني تقليدي، بل اختبارًا جديدًا لكيفية سرد قصة مايكل جاكسون، الرجل الذي غيّر شكل صناعة الموسيقى العالمية، وترك وراءه إرثًا فنيًا هائلًا، وسلسلة قضايا وانقسامات لا تزال حاضرة بقوة.
غاري... المدينة التي تنتظر ابنها الأشهر
إذا كان هناك مكان واحد يضمن للفيلم استقبالًا استثنائيًا، فهو مدينة غاري بولاية إنديانا الأميركية، حيث نشأ مايكل مع إخوته داخل العائلة التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أشهر العائلات الموسيقية في العالم. المنزل العائلي الذي خلدته فرقة The Jacksons في أغنية 2300 Jackson Street عام 1989، أصبح اليوم مقصدًا للزوار ومحبي الفرقة. كما استضافت المدرسة الثانوية الوحيدة في المدينة حفل استقبال لأفراد من عائلة جاكسون، حضروا لمناسبة عرض الفيلم الجديد الذي يتناول قصة أشهر من خرج من هذه المدينة.
وفي خطوة رمزية لافتة، أدار عمدة المدينة إيدي دي ميلتون حلقة نقاشية عن صناعة الفيلم وإرث عائلة جاكسون، مؤكدًا أن التركيز يجب أن ينصب على ما قدمه الفنان للعالم، لا على إعادة فتح السجالات القديمة. وقال العمدة إن موسيقى مايكل جاكسون "غيّرت حياة كثيرين"، واصفًا الفيلم بأنه "رائع".
ابن الأخ في الدور الأصعب
يقوم ببطولة الفيلم جعفر جاكسون، ابن شقيق مايكل، في أول تجربة تمثيلية له، وهي خطوة تحمل قدرًا كبيرًا من الرمزية والمخاطرة معًا. فجعفر لم يكن مجرد ممثل يؤدي شخصية عالمية، بل فردًا من العائلة يؤدي دور عمه الذي توفي عام 2009 عن عمر 50 عامًا. وفي مقابلات ترويجية، قال جعفر إنه لم يرد تقليد عمه أو نسخ حركاته، بل حاول فهم شخصيته من الداخل، مشيرًا إلى أنه اطلع على مذكراته الشخصية، وقصائده، وكتاباته الخاصة، حتى يقدم أداءً "صادقًا" لا مجرد محاكاة خارجية. وأضاف أن الجمهور يعرف اللحظات الشهيرة في حياة مايكل، لكن الفيلم سيُظهر "بعدًا عاطفيًا لم يُرَ من قبل".
لماذا تأخر الفيلم؟
وراء الكواليس، واجه المشروع عقبات قانونية ومالية حساسة، كان أبرزها ما يتعلق بقضية عام 1993، حين اتُهم جاكسون بالتحرش بفتى يبلغ من العمر 13 عامًا. وبحسب تقارير صحافية، فإن النسخة الأصلية من الفيلم تناولت القضية، قبل أن تُجرى تعديلات جذرية لاحقًا بعد اكتشاف أن تسوية مالية قُدرت بنحو 25 مليون دولار مع المدعي وعائلته تتضمن قيودًا تمنع ورثة جاكسون من إدراج هذه القضية في أعمال تتناول سيرته. هذا التطور دفع إلى إعادة تصوير مشاهد وتعديل أجزاء من العمل، بتكاليف إضافية تراوحت بين 10 و15 مليون دولار وفق تقارير إعلامية.
الورثة في قلب المشروع
ورثة مايكل جاكسون لم يكونوا بعيدين عن المشروع، بل كانوا مشاركين فيه منذ المراحل الأولى، ما جعل كثيرين يعتبرون الفيلم محاولة من العائلة لإعادة تقديم صورة النجم الراحل من زاوية أكثر سيطرة وتنظيمًا. ويبدو حضور العائلة متفاوتًا. فقد شارك نجلاه برنس وبيجي في عروض أولى للفيلم، بينما ظهرت ابنته باريس جاكسون في مقطع مصور قالت فيه إنها لم تُدلِ برأيها الكامل بشأن العمل، لكنها أشارت إلى أن جمهورًا محددًا من محبي والدها سيحب الفيلم كثيرًا.
العقدة المستعصية: الاتهامات
أي محاولة لسرد حياة مايكل جاكسون تصطدم بالسؤال نفسه: كيف يمكن تناول الإنجاز الفني الهائل دون تجاهل الاتهامات التي لاحقته؟ جاكسون أنكر طوال حياته جميع اتهامات التحرش بالأطفال وغيرها من الجرائم، كما بُرئ لاحقًا من التهم التي وُجهت إليه عام 2003. ولا يزال ورثته ينفون كل الادعاءات الموجهة ضده. لكن الملف لم يُغلق. ففي وقت سابق من هذا العام، رفع أربعة أشخاص بالغين من عائلة كانت تربطها علاقة وثيقة بالمغني دعوى قضائية جديدة، اتهموه فيها بأنه كان "متحرشًا متسلسلًا بالأطفال"، وارتكب بحقهم انتهاكات حين كانوا قُصّرًا. كما تضمنت الدعوى اتهامات بالاتجار الجنسي، وقال المدعون إن بعض الوقائع المزعومة حدثت خلال جولات فنية داخلية وخارجية، بينها محطات من جولة Dangerous World Tour. في المقابل، وصف مارتي سينغر، محامي ورثة جاكسون، الدعوى بأنها "محاولة يائسة لابتزاز المال"، فيما تم قبول طلب لنقل القضية إلى التحكيم خلال آذار (مارس) الماضي.
تاريخ طويل من الأعمال التي تهرب من السؤال
ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها هوليوود أو المسرح الاقتراب من حياة جاكسون. عام 2017، قُدم فيلم تلفزيوني مستوحى من كتاب لحارسين شخصيين سابقين، وقدم صورة متعاطفة مع المغني باعتباره أبًا مخلصًا، بينما بدت أزماته القانونية في الخلفية. وفي 2022، حققت مسرحية MJ: The Musical نجاحًا كبيرًا وفازت بأربع جوائز توني، مستفيدة من قرار ذكي تمثل في جعل أحداثها تدور عام 1992، أي قبل أول الاتهامات العلنية. أما في 2019، فأثار الفيلم الوثائقي Leaving Neverland عاصفة عالمية بعد أن تضمن روايات رجلين قالا إن جاكسون اعتدى عليهما جنسيًا في طفولتهما. وردت العائلة آنذاك ببيان حاد، ووصفت الفيلم بأنه تشهير علني.
غياب ترويجي يثير التساؤلات
رغم حجم المشروع، لم يظهر طاقم الفيلم على أغلفة كبرى مجلات هوليوود قبيل العرض، وهي خطوة غير معتادة بالنسبة لفيلم ضخم منتظر. واقتصر الظهور الإعلامي على مقابلات محدودة لبعض النجوم المشاركين، بينهم كولمان دومينغو ونيا لونغ، إضافة إلى جعفر جاكسون. وفي إحدى المقابلات، قال دومينغو إن الفيلم ينتهي عند عام 1988، أي قبل ظهور أولى الادعاءات ضد مايكل، مؤكدًا أن العمل يتمحور حول نشأته وصعوده. لكنه ألمح في الوقت نفسه إلى احتمال إنتاج جزء ثانٍ يتناول المراحل اللاحقة من حياته.
معركة على الذاكرة
ما يجعل "مايكل" مختلفًا ليس فقط أنه فيلم عن نجم عالمي، بل لأنه معركة على ذاكرة شخصية لا تزال قادرة على تقسيم الجمهور. فمحبوه يرون فيه عبقريًا فنيًا لا يتكرر، وصاحب موسيقى غيرت الثقافة الشعبية العالمية. ومنتقدوه يرون أن أي احتفاء بإرثه يظل ناقصًا إذا تجاهل القضايا التي لاحقته. وبين الروايتين، يدخل الفيلم إلى دور العرض محملًا بتوقعات ضخمة، وأسئلة أكبر.
هل ينجح الفيلم؟
قد ينجح "مايكل" تجاريًا بفضل الشعبية الكاسحة لاسم جاكسون وموسيقاه، وقد يحقق حضورًا جماهيريًا واسعًا بدافع الفضول والحنين. لكن النجاح الحقيقي سيكون في قدرته على فعل ما عجزت عنه أعمال كثيرة سبقت: تقديم القصة كاملة، لا نصفها. ذلك لأن حياة مايكل جاكسون لم تكن أبدًا مجرد سيرة صعود نجم، بل حكاية موهبة استثنائية، وشهرة جارفة، وعزلة قاسية، وجدال لم ينته.



