من عصر الأشياء إلى عصر اللاشيء: قراءة في رواية يوكو أوغاوا
من عصر الأشياء إلى عصر اللاشيء: قراءة في رواية يوكو أوغاوا

في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، تقدم الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا رؤية عميقة حول كيفية تحول العالم من المادية إلى التجريد. من خلال روايتها "شرطة الذاكرة"، ترسم أوغاوا صورة لجزيرة بلا اسم، حيث تختفي الأشياء تدريجياً وبشكل غامض، تاركة وراءها فراغاً يملؤه النسيان.

اختفاء الأشياء في رواية شرطة الذاكرة

في عالم الرواية، تختفي أشياء مثل أربطة الشعر والقبعات والعطور والورود والطيور، ويتعجب السكان من فقدان هذه الأشياء دون أن يدركوا الغرض منها. هذا الاختفاء ليس عشوائياً، بل هو جزء من نظام شمولي يديره ما يُسمى "شرطة الذاكرة"، التي تمنع الناس من الاحتفاظ بالذكريات، وتعتقل كل من يحاول مقاومة هذا المحو. والدة البطلة، التي تخفي الأشياء المهددة بالاختفاء في خزانة سرية، تتعرض للقتل على يد هذه الشرطة.

استعارة لواقعنا المعاصر

يمكن قراءة رواية أوغاوا كاستعارة لعالمنا اليوم، حيث تختفي الأشياء باستمرار دون أن ننتبه. لكن الأمر يختلف عن الديستوبيا التي تصورها الرواية؛ فنحن لا نعيش تحت نظام شمولي عنيف، بل تحت هيمنة المعلومات التي تجعل الأشياء باهتة وتفقد قيمتها. المعلومة، أو "اللاشيء"، تتقدم على الشيء، وتجعل العالم يفرغ من ماديته لصالح التجريد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الرقمنة ومحو الذكريات

الرقمنة تجرد العالم من ماديته وجسديته، وتطمس الذكريات. بدلاً من حفظ الذكريات، نخزن كميات هائلة من البيانات، وتحل الوسائط الرقمية محل شرطة الذاكرة، مؤدية وظيفتها دون عنف. لكن مجتمع المعلومات ليس رتيباً كعالم أوغاوا؛ فهو يعتمد على عنصر المفاجأة والإثارة، لكن هذا التحفيز لا يدوم طويلاً، وسرعان ما نبحث عن محفزات جديدة.

صيادو المعلومات وعجزهم عن إدراك الأشياء اليومية

بصفتنا "صيادي معلومات"، أصبحنا عاجزين عن إدراك الأشياء الصامتة والبسيطة واليومية التي تثبت وجودنا وتربطنا بالعالم. نحن في مرحلة انتقالية من عصر الأشياء إلى عصر "اللاأشياء"، حيث تحدد المعلومات العالم الذي نعيش فيه، ولم نعد نسكن الأرض والسماء، بل "غوغل إيرث" والسحابة الرقمية. العالم أصبح أكثر تجريداً وضبابية، ولم يعد فيه شيء صلب أو ملموس.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي