هوس تحويل الروايات إلى أفلام: هل يقتل جوهر الأدب؟
في عصر يتسارع فيه الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، يبرز هوس متزايد بتحويل الروايات إلى أفلام أو مسلسلات، لكن هل هذا التحويل يخدم الفن أم يقتل جوهر الرواية؟
الرواية: خلق مستمر بين الكاتب والقارئ
الرواية كُتبت لتُقرأ، فهي تعتمد على اللغة كقوام أساسي لبناء المشاعر والشخصيات والأمكنة والأزمنة. جوهرها يقوم على خلق مستمر بين طرفين لا ثالث لهما: الكاتب والقارئ. أثناء الكتابة، لا يعرف الكاتب ما سيحدث في الصفحة التالية، تماماً كما لا يعرف القارئ عند القراءة الأولى. هذا الإبداع المشترك يسمح لكل قارئ بتخيل الشخصيات والأحداث وفقاً لرؤيته وثقافته وتجاربه.
على سبيل المثال، عندما يقرأ ياباني رواية سعودية، لن يرى المرأة السعودية كما تخيلها الكاتب، بل سيرى نموذج الجمال الياباني المتشكل في وجدانه. هذا التعدد في التخيلات هو ما يجعل الرواية فناً حياً يتجدد مع كل قراءة.
السينما: كسر الخلق المستمر
عندما تتحول الرواية إلى فيلم، يختار المخرج ممثلاً محدداً ليجسد الشخصية، مما يكسر هذا الخلق المستمر. فكل مشاهد، سواء في الرياض أو طوكيو، سيرى نفس المرأة على الشاشة، مما ينهي جماليات الرواية ويبدأ جماليات السينما. الشخصية في الرواية ليست مجرد وجه وجسد، بل هي إنسان كامل بمشاعره وهمومه وتاريخه، بينما في الفيلم، قد تختزل إلى مجرد تمثيل سطحي.
من وضع في أذهاننا أن الرواية مجرد سيناريو ينتظر التحويل؟ الرواية هي حالة شعرية تعتمد على اللغة، وليس مجرد سرد للحكاية. حتى أن كاتباً فرنسياً مثل إلن روب جرييه سعى في زمن الحداثة إلى اقتلاع السرد من النص الروائي، مما يظهر تعقيد هذا الجنس الأدبي.
التحديات في تحويل الروايات المعقدة
من يستطيع تحويل روايات مثل "يولسس" أو "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس، التي تنتمي إلى تيار الوعي، إلى أفلام؟ هذه الأعمال تعتمد على تدفق الأفكار الداخلية، مما يجعل تحويلها شبه مستحيل دون فقدان جوهرها. في المقابل، الروايات التي تعتمد على الحكاية البوليسية، مثل قصص أجاثا كرستي أو هاري بوتر، تكون أكثر ملاءمة للتحويل السينمائي بسبب تركيزها على التشويق والمفاجآت، حتى مع تدني مستوى اللغة.
عندما تشاهد فيلماً مقتبساً من رواية قرأتها، قد تصدم بالاختلافات في الشخصيات والأماكن، لأنك في الرواية أسهمت في خلقها بخيالك. تلخيص رواية مثل "الحرب والسلام" في مئة صفحة يفقدها الألف صفحة الأخرى التي تحتوي على التفاصيل والشعرية، مما يثبت أن الحكاية ليست سوى جزء بسيط من العمل الروائي.
الاختلاف الجوهري بين الفنين
الحديث عن تحويل العمل الروائي إلى سينمائي يعكس عدم فهم لطبيعة الفنين المختلفين. الرواية عمل فردي بحت، بينما السينما عمل جماعي يتضمن قرارات إدارية متعددة من كتاب السيناريو والمنتج والمخرج والممثلين والجهات الرقابية. كل هؤلاء يساهمون في إعادة صياغة العمل، مما يجعله مختلفاً جذرياً عن الرواية الأصلية.
انتشار رواية ما، مثل هاري بوتر، قد يدعو لتحويلها إلى فيلم لاستغلال الشهرة والربح المادي، لكن الشركات المنتجة هي تجارية في الأساس، وليس هدفها دعم الإبداع والثقافة. الرواية كُتبت لتُقرأ فقط، وهي تحتفظ بقيمتها كجنس أدبي عظيم لا يحتاج إلى وسيط سينمائي ليعبر عن نفسه.



