كيف تتسرّب الأوحال في السير الذاتية العربية؟
كتبت ذات يوم مقالة بعنوان (قلمك حصانك)، وفي كل ما قرأت من سير ذاتية، لا أجد الحقيقة الساطعة لما مر بحياة الكاتب، فهي كتابة (تجمل) وليست كتابة صريحة، ولهذا أصفح عرضاً عما يكتب.
فإذا كانت النصيحة بلجم لسانك في المثل الشهير (لسانك حصانك...)، والآن يمكن تغير المثل بالقول (قلمك حصانك)، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (شمعٌ أحمر على الأفواه)، إذ ما زال الأصدقاء من الكتاب والنقاد مغرمين بتحفيز الكتاب على كتابة السير الذاتية، ومنذ وقت طويل وأنا أشكك في كل سيرة ذاتية عربية؛ لأسباب جوهرية، وأجدني أعيد القول لما يثار حول هذا الأمر، فقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (لا تفتح السيرة) منطلقاً من المثل الشهير: (سيرة وانفتحت)، ذلك المثل الذي يقال للتحفيز على كشف الأسرار المخبأة، ويمكن فتح تلك الأسرار أمام مجموعة محددة وغالباً تكون بين أصدقاء، ومع ذلك التقارب الوجداني مع الأصدقاء يظل فتح أي سيرة هو حديث على الهوامش، فليس هناك سيرة عربية عارية بكل تفاصيلها، وما زلت ثاوياً عند رأيي السابق عما تكون عليه السيرة الذاتية العربية من اختباء العاري منها خلف التنميق والبهرجة غير الصادقة، فالثقافة العربية قائمة على عدم المجاهرة عكسها تماماً الثقافة الأوروبية القائمة على البوح، فالاعترافات التي تحدث بين الكاهن (أو القس) والتائب، هي حالة بوح أسست لفكرة تعرّي الشخصية من كل ما تم ستره. بينما ثقافتنا الإسلامية تؤسّس قناعة الكتم وعدم البوح، ولذلك لا يمكن لأي سيرة ذاتية عربية المجاهرة بما اكتنفته الأيام، وإن حدثت مجاهرة ما فغالباً يتم اللجوء إلى كتابة الرواية والاختباء خلف شخصية من الشخصيات، وإن كان ثمة سيرة ذاتية عربية كُتبت من غير (تزويق)، فهذا يعيدني إلى سؤال قديم كتبته حول اعترافات الروائي كاتب لبناني مشهور:
- هل كانت اعترافات ذلك الأديب تأسيساً لمصداقية كتب السير الذاتية العربية؟
- هل من محاجة لو أنني قلت إنه كتاب (ذكريات الأدب والحب) أول سيرة عربية كُتبت بتجرد. تجرد فيها كاتبها للوصول بها إلى الحقيقة الواقعية التي عاشها الكاتب.. ليكن ذلك.. لن أصم ذلك الأديب بالشجاعة، فما رواه عن أبيه وعلاقته به يجعلك من البدء تدخل في دهاليز التنظير وأن هذا الفعل هو تكرار لنظرية قتل الأب، تلك الشخصية التي تمثل السلطة المكررة في حياتنا والتي سعى (الأديب المشهور) من البدء إلى إدخالها حيز المواجهة والكشف (لم أكن أحب أبي) إلا أن هذه النظرة ستكون قاصرة عن فهم السياق الحياتي للطفل (الكاتب)، فهو يقف موقفاً من أبٍ صدمه صدمة عنيفة، تلك الصدمة التي وقف عليها خلسة، فالحياة الشاذة التي عاشها أبوه جعلت الكره يستيقظ لهذه الشخصية الشاذة التي تتصالح مع واقعها باقتفائها السبل الخيرة من وجهة نظر الآخرين إلا أن حياته السرية حياة مشينة وشاذة.
وأول وقفة للكاتب على هذه الحالة يقود إلى نفور من ذلك الأب، نفور يجعله لا يتورع عن ذكر صفات مستنكرة من ذلك الأب (كان لأبي كرش أنفر منها لأنه لم يكن يتورع عن تنفيسها بريح يطلقها بين الفينة والفينة دون تحرج!).
فالأب ليس هو المعني بمفهوم قتل الأب، بل هو الأب الإنساني المكسور بحالته المختلفة، التي تصنعها ظروفها ومزاجها على أية حال..
وهذا الطفل يؤكد أنه بدأ حياته بشاهدي زور وقعا على تزييف عمره الحقيقي، فهل يكون اعترافنا بمثل هذه التزويرات تصحيحاً للتاريخ أم شهادة على حالة مجتمع لم يكن معنياً بتتبع الأخلاقيات، وإنما كان معنياً بتتبع أين تقع المصلحة..
ويرسم (الكاتب المشهور) صورة رائعة لأول علاقة له بالجنس الآخر من خلال تلك الطفلة التي كان أهله وأهلها يجتمعون لسماع أم كلثوم، بينما خدر لذيذ ينساب بين طفلين في غفلة عن عيون الكبار.. هذا المشهد سيحرك قلوب الكثيرين ممن سيقرأ هذه السيرة؛ لأنه مشهد تكرر في كل بقعة إنسانية.. مشهد الوقوف على أول حالة تلذذ بالجسد.
وستمر بالطالب (الكاتب) الذي يخطئ في عملية حسابية، سيكون ناتجها محرضاً لأستاذه أن يصفه بـ (طالب عدمان حمار).
وستجد نفسك فجأة تقف مع هذا الأديب الذي بدأ يشق طريقه لعالم العلم والأدب منذ أن كان ابن الخامسة عشرة، ذاكراً بداياته ورحيله للغرب وعلاقته بالكثيرين من رموز الأدب في لبنان وفي العالم العربي..
وهو في سرديته تلك يسجل ماضياً عبر دولة عربية (لبنان) بحرفية روائي متمكن، لدرجة أن يصل إحساسك بيقين تلمسك لشخصيات عشت معها وتجعلك تشم عبق المكان وتزاحم الأحداث والحياة الاجتماعية التي صنعت واقعاً ثقافياً عربياً كان له أثره على بقية بلدان العالم العربي..
انهمار الذاكرة هذا كان بالإمكان أن يواصل تدفقه من خلال الجزء الثاني لسيرة الأديب المشهور بمتعة مواصلة جراءة البوح والدخول إلى المناطق المحرمة في السير العربية، إلا أن وقوف (العيب) كان الشمع الأحمر الذي أخرجته الأسرة لتسد به ثقب الصنبور المفتوح قبل أن تخرج كل الأوحال!



