نبات أحمد.. سلطانة العود اليمنية التي كسرت قيود المجتمع
نبات أحمد.. سلطانة العود اليمنية

تعد الفنانة اليمنية نبات أحمد واحدة من أبرز الأصوات النسائية في تاريخ الغناء اليمني، حيث كافحت لسنوات طويلة من أجل اقتحام مجال الفن وتمكين المرأة اليمنية من التحرر من قيود المجتمع القبلي المحافظ. وقد تميزت بجرأتها ودفاعها عن الحق، فضلاً عن مواهبها المتعددة في الغناء والتأليف والعزف على آلة العود، مما جعلها تستحق لقب "سلطانة العود".

البدايات والنشأة

ولدت نبات أحمد في عام 1955 بمدينة تعز، لأسرة من منطقة ذمار. انتقل والدها أحمد العماري مع أسرته من ذمار إلى تعز للعمل والإقامة. نشأت نبات في كنف أب محب للفن وداعم لمواهبها الغنائية، إلى جانب أختها روضة أحمد التي تكبرها سناً. لكن المشكلة الأكبر كانت القبيلة التي تنتمي إليها الأسرة، والتي رفضت رفضاً قاطعاً أن تغني الفتاتان، معتبرة أن الغناء عار، مما دفع عمهما إلى مقاطعة الأسرة. وفي حديثها لمجلة "المجلة" (30 أبريل 2025)، أوضحت نبات أن عمها ظل مقاطعاً والدها لهذا السبب، حتى بعد أن غيرت القبيلة موقفها منها في أعقاب شهرتها وحب الناس لها.

الشغف المبكر بالفن

عشقت نبات الغناء منذ طفولتها المبكرة، فكانت تغني لزميلاتها في المدرسة. في زمن المملكة المتوكلية، لم تكن هناك آلات موسيقية أو منصات لإبراز المواهب، مما اضطرها للغناء بالتطبيل والنقر على تنكة صفيح. وعندما بلغت الثانية عشرة من عمرها، بعد زوال حكم الإمامة وتأسيس الجمهورية، وجدت الطريق ممهداً لخوض تجربة الغناء علناً. رفضت أختها روضة الفكرة بحجة أن صوتها ليس جميلاً، لكن والدها أصر على أن لا تذهب روضة للغناء إلا بصحبة نبات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الانطلاقة الفنية

ظهر في حياتها الفنان محمد حمود العوامي، الذي تعهد برعايتها فنياً وآمن بموهبتها، وقدمها للجمهور في حفل غنائي أقيم على مسرح قصر سبأ بتعز في بداية السبعينات. شارك في الحفل فنانين كبار مثل أيوب طارش وعلي عبدالله السمة ومحمد يحيى قلالة وسالم عبدالله سالم. غنت نبات لأول مرة أمام الجمهور أغنية "فيني وفي روحي وفي عيوني"، التي لاقت تصفيقاً حاراً، وشعرت لحظتها بأنها انتصرت وولدت من جديد.

الزواج الأول والعزف على العود

تزوجت نبات لأول مرة من الفنان اليمني الراحل أحمد صالح الأبرش، الذي علمها العزف على العود، لتصبح أولى اليمنيات اللواتي يعزفن العود. قام الأبرش بتلحين أغانيها وكتابة كلماتها، بل غنى معها دويتوهات عدة جعلتهما مشهورين في كل أنحاء اليمن. لكن المشكلة كانت غيرته الشديدة، حيث كان يغلق باب المنزل عليها وقت خروجه للعمل. توفي الأبرش في حادثة سير، ففقدت زوجاً ومعلماً ورفيق درب، لكنها واصلت الغناء والتألق بمفردها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مسيرة حافلة بالإنجازات

قدمت نبات على مدى مشوارها الذي استمر نحو 50 عاماً حوالي 120 ألبوماً غنائياً. من أهم أغانيها: "حبيبي لا تعذبني"، "سلام يا أحباب"، "إنت حبك في فؤادي"، "زهرة الربيع"، "بعزالليل أنا أمسيت سهران"، وغيرها. جعلتها هذه الأغاني مشهورة ومحبوبة ومطلوبة في الأعراس وحفلات المسؤولين. حتى أن العروس التي تزفها نبات بالزفة الصنعانية تعتبر محظوظة. كما دعت الجالية اليمنية في فرنسا نبات لإحياء حفل في باريس، حيث التقتها صحفية فرنسية وأجرت معها حواراً، والتقطت لها صورة شهيرة وهي تجلس على كرسي بشعرها القصير ممسكة بالعود. كما شاركت في حفلات في الكويت والبحرين والسعودية وجيبوتي.

الزواج الثاني والاعتزال

تزوجت نبات للمرة الثانية من ابن شيخ قبلي من تهامة يدعى حيدر غالب عبدالله داوود، وأنجبت له ابناً وابنة. لكن الزوج الجديد لم يسمح لها بالغناء إلا في الحفلات النسائية الضيقة، مما أدى إلى انقطاعها عن الظهور العلني لمدة 18 عاماً. في عام 2003، توقفت نبات عن الغناء بسبب المرض الذي أثر على حبالها الصوتية، وتراجع أوضاع الفن عموماً. ثم هبت العواصف السياسية والحروب الأهلية على اليمن، فأجبرتها على الرحيل إلى مصر، تاركة خلفها أرشيفاً من الأغاني القديمة. تعيش الآن في المهجر على ما يدره لها عقاران في صنعاء.

الإرث والتقدير

أجمع كل من كتبوا عن نبات أحمد على أنها امرأة قوية وذكية ومقدامة، وصاحبة شخصية اجتماعية مهابة. من دلائل شجاعتها أنها تصدت لمحافظ الحديدة الذي منع النساء من الغناء في حفل خيري، وأقسمت أنهن سوف يصعدن على المسرح، ثم ذهبت إلى صنعاء وعادت بأوامر عليا للسماح لهن بالغناء. تظل نبات أحمد رمزاً للفن اليمني الأصيل، ونموذجاً للمرأة اليمنية التي تحدت الصعاب وحققت حضوراً لا يمحى في ذاكرة الأغنية العربية.