الأذرع الإقليمية في مفترق طرق: بين الولاء الإيراني والمصالح الوطنية
هل وصلت الحرب الدائرة في إقليم الشرق الأوسط إلى ذروتها القصوى؟ أم أن هناك مراحل أكثر خطورة وتصعيداً لم نصل إليها بعد؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في ظل المواجهة المستمرة بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، بالإضافة إلى العدوان الإيراني الشامل على الدول العربية في الخليج والأردن دون أي تمييز.
من الواضح أن النظام الإيراني يتعامل مع هذه الحرب بمنظور وجودي ملحمي، وليس كمجرد جولة عسكرية يمكن كسبها أو خسارتها. الأحداث تتسارع بوتيرة مذهلة، وردود الفعل تتوالى بشكل متواتر، ولا يعلم أحد نهاية هذه الحكاية أو الفصل الأخير منها، لكن المؤكد أننا منذ فجر السبت الماضي دخلنا في حقبة جديدة تماماً وعصر مختلف بكل المقاييس.
السياق التاريخي والتحذيرات السابقة
قبل بداية العام الحالي 2026 بأربعة أيام فقط، كتبت في هذه المساحة تحذيراً واضحاً: "السؤال المباشر هو: هل تعود المواجهة بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة أخرى، في هذا العام الجديد 2026؟ هذا من أهم الأسئلة في هذه السنة الجديدة، وفي ضوء جواب هذا السؤال تُرسم سياسات وتُنتهج مسارات كبرى لدى الدول العربية وتركيا وغيرها من الدول غير العربية في منطقة الشرق الأوسط".
وجاء أيضاً في ذلك التحليل: "كل يوم يُطوى من روزنامة الشهر الأول من هذه السنة في الحقيقة، يقرّب ساعة الانكشاف الكبرى في الإقليم، هذه حقيقة يجب ألا نتجاهلها، ساعة كبيرة وخطيرة ومؤسسة لعالم جديد". اليوم نرى إيران تحشد كل قواها وتسعى لتفعيل كل أدواتها لليوم الكبير، فلهذا اليوم أُعدّت هذه الأذرع الإقليمية بعناية فائقة.
حالة لبنان: بين القرار الوطني والواقع الميداني
في لبنان، اتخذت الدولة اللبنانية قراراً وطنياً تاريخياً يتمثل في "حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة"، مع تجديد التأكيد على أن "قرار الحرب والسلم يكون حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية". هذا القرار جاء خلال جلسة طارئة انعقدت في القصر الجمهوري، برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وبحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء.
لكن السؤال المطروح بإلحاح هو: هل تقدر الحكومة اللبنانية على تنفيذ قرارها على الأرض؟ خاصة في ظل انخراط حزب الله في إسناد إيران بفتح جبهة في جنوب لبنان وإطلاق الصواريخ، وهي إجراءات لا تغير موازين القوى بشكل جذري ولا تنقذ النظام في طهران من مأزقه الحالي.
الوضع في العراق: الحشد الشعبي بين الخطاب والممارسة
من جهة أخرى، يبرز الحشد الشعبي المسلح في العراق الموالي لإيران كأحد أهم الأذرع الإقليمية. سبق لهذا الحشد الإعلان عن تنفيذ 28 هجوماً ضد المصالح الأميركية في العراق، كما سعى بعض عناصره إلى اقتحام السفارة الأميركية في بغداد - وفقاً لتقرير نشرته جريدة "الشرق الأوسط".
وفي الوقت نفسه، يصدر الحشد بياناً يقول فيه إن قادته، خلال اجتماع أمني مشترك برئاسة رئيس أركان الجيش: "يعملون تحت إمرة السيد القائد العام للقوات المسلحة، ملتزمين بتنفيذ توجيهاته بكل دقة ومسؤولية، وبما يعزز الاستقرار، ويصون سيادة الدولة". هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يطرح تساؤلات كبيرة حول الولاء الحقيقي لهذه المجموعات.
التقييم العام وتوقعات المستقبل
حتى الآن، يبدو أن تفعيل ورقة الأذرع الإقليمية ليس بالمستوى المؤثر في مجرى الحرب الكبيرة الدائرة في المنطقة. لكن هذا لا يعني البتة أن هذه الأذرع لم تفعل شيئاً في الوقت الراهن، أو أنها لن تقوم بأدوار أكبر في الأيام القريبة القادمة.
هذا الواقع يستدعي توسيع دائرة النظر وتحليل أعمق لتحديد ثم تحييد مصادر الخطر على جميع الأطراف. فالمشهد الإقليمي يشهد تحولات جذرية تتطلب:
- مراقبة دقيقة لتحركات الأذرع الإيرانية
- تقييم واقعي لقدرة الدول المضيفة على السيطرة عليها
- استشراف دقيق للمستقبل في ظل التصعيد المتزايد
الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع وجودي تتشابك فيه الخيوط الإقليمية والدولية بشكل معقد، حيث تلعب الأذرع الإيرانية دوراً محورياً قد يحدد شكل المنطقة لعقود قادمة.
