تحليل ظاهرة التقديس السياسي: حالة عبدالله أوجلان والشامانية الكردية
ظاهرة التقديس السياسي: عبدالله أوجلان والشامانية الكردية

ظاهرة التقديس السياسي: عبدالله أوجلان والشامانية الكردية

في مشهدٍ سياسيٍ معقد، يثير تساؤلاتٍ عميقة بين المتنورين الكرد، يظل حشدٌ هائلٌ من أبناء المجتمع الكردي متعلقاً بشخص زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، رغم أن الكثيرين يرون أنه ليس أهلاً للتعظيم أو التوقير بناءً على مواقفه السابقة والحالية. فكيف يتحول سياسي إلى رمزٍ مقدس لدى جمهوره، في حين يبدو أن هذا التقديس لا يرتبط بالضرورة بصفات القداسة الحقيقية؟

القداسة والمدنس: ثنائية تثير التساؤلات

يشير الكاتب السعودي عبدالعزيز حسين الصويغ في مقالٍ له بعنوان "عندما تصبح القداسة سجناً" إلى التناقض بين تقديس أشياء لا علاقة لها بالطهارة، مثل نهر الغانج في الهند، الذي يُعد من أكثر أنهار العالم تلوثاً، ومع ذلك يُقدسه ملايين البشر. يقول الصويغ: "التعايش بين القداسة والتلوث ليس مجرد ظاهرة بيئية، بل هو مرآة لعقلية جمعية تسكن كثيراً من المجتمعات، حيث يُقدَّم الإرث الثقافي والديني على منطق العقل والحكمة". هذا التناقض يجد صداه في حالة أوجلان، حيث يتحول السياسي إلى رمزٍ مقدس رغم انتقادات واسعة لمواقفه.

تفكيك فلسفة الشامان الكردي

بإمكان المفكر أو الفيلسوف تحليل فلسفة عبدالله أوجلان بسهولة، وبيان مواطن الخلل فيها، والتأكيد على عدم انسجامها مع الأعراف الدولية وواقع السياسة المعاصرة. لو سُمح لأوجلان بمناقشة منتقديه، لكان من السهل دفعه للتراجع عن أفكاره، ولكن المشكلة الأكبر ليست في شخصه، بل في الجماهير التي تؤمن به. تحرير عقول أتباع أوجلان من تأثيره أصعب بكثير من تحريره جسدياً من سجنه في جزيرة إمرالي التركية.

أوجلان، في نظر مؤيديه، ليس مجرد رجلٍ من لحم ودم، بل هو مادة أولية أدمن عليها حشدٌ كبير، مما يجعل معالجة هذا الإيمان أشبه بمعالجة الإدمان على المواد المخدرة. ليس صعباً إزالة صوره من الشوارع والمؤسسات، ولكن الأصعب هو اقتلاع أفكاره من عقول المقتنعين به.

قصة رمزية: الوهم وصعوبة التحرر

يروي المرحوم رشيد حمو، أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، قصةً عن شخصٍ ابتلي بالوهم، حيث كان يتصور نفسه حبة قمح ويخاف من أن يلتقطه الدجاج. بعد جهدٍ كبير، أقنعه أصدقاؤه بأنه إنسان وليس حبة قمح، لكنه فاجأهم بقوله: "من الذي بمقدوره إقناع الدجاج بأني لستُ كذلك؟". هذه القصة تعكس صعوبة إقناع مؤيدي أوجلان بأنه بشرٌ عادي، حتى لو قبلوا ذلك، فكيف يمكن إقناعهم بأنهم ليسوا أرقاء في حظيرة أفكاره؟

الشامانية: جذور المعتقدات البدائية

الشامانية، وفق الموسوعة الحرة، هي معتقد بدائي يتضمن ممارسات سحرية وشعوذة، حيث يدعي الشامان قدرات خارقة مثل التحكم في النيران والتواصل مع الأرواح. في سياق أوجلان، يمكن رؤية تشابه مع هذه الممارسات، حيث يتحول الزعيم السياسي إلى شامانٍ معاصر في أعين أتباعه، مما يعزز ظاهرة التقديس التي تتحدى المنطق والعقل.

ختاماً، تبقى ظاهرة تقديس أوجلان مثالاً صارخاً على كيف يمكن للظروف السياسية والاجتماعية أن تخلق رموزاً مقدسة، رغم تناقضها مع الواقع. الأمر يتطلب جهداً فكرياً عميقاً لفهم هذه الديناميكيات والعمل على تحرير العقول من الأوهام التي تكرسها.