كيف أسهمت عمليات الشراء التاريخية في تشكيل خريطة الولايات المتحدة؟
مع تجدد الاهتمام الأمريكي بغرينلاند، يبرز تاريخ الولايات المتحدة الطويل في التوسع عبر عمليات شراء الأراضي والجزر. يؤكد المؤرخون أن واشنطن كانت تبرر رغبتها في ضم مناطق جديدة بحجة الحاجة إلى السيطرة عليها قبل وقوعها في أيدي قوى منافسة، وهو ما يتكرر اليوم في الحديث عن غرينلاند.
شراء لويزيانا: البداية الكبرى للتوسع الأمريكي
شكل شراء إقليم لويزيانا من فرنسا عام 1803 محطة مفصلية في تاريخ الولايات المتحدة. بمساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، مثل هذا الاستحواذ نقطة تحول كبرى في مسار الدولة الفتية نحو التحول إلى قوة قارية آخذة في التوسع.
كانت مستعمرة لويزيانا أكبر ممتلكات فرنسا في أمريكا الشمالية، لكن سلسلة من الثورات في هاييتي، إلى جانب خطر اندلاع حرب مع بريطانيا، دفعت نابليون بونابرت إلى بيع الإقليم للولايات المتحدة مقابل 15 مليون دولار، وهو مبلغ يعادل اليوم أكثر من 400 مليون دولار.
أدى هذا الشراء إلى مضاعفة مساحة الدولة الأمريكية تقريباً، وكان عنصراً أساسياً في رؤية الرئيس توماس جيفرسون للتوسع غرباً، حيث ضم الإقليم أجزاء من 15 ولاية أمريكية حديثة تمتد بين نهر المسيسيبي وجبال الروكي.
التنازل المكسيكي: التوسع على حساب الجار الجنوبي
بحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، كان جزء كبير من الرأي العام الأمريكي مقتنعاً بأن "القدر الواضح" للولايات المتحدة هو التوسع غرباً حتى ساحل المحيط الهادئ. بعد ضم تكساس عام 1845 وإعلان الحرب على المكسيك، انتصرت الولايات المتحدة ووقعت معاهدة غوادالوبي هيدالغو عام 1848.
بموجب هذه المعاهدة، دفعت واشنطن 15 مليون دولار (ما يعادل نحو 615 مليون دولار اليوم) مقابل الأراضي التي تنازلت عنها المكسيك، والتي شملت ولايات كاليفورنيا ونيفادا ويوتا الحالية، إضافة إلى أجزاء من أريزونا وكولورادو ونيو مكسيكو ووايومنغ.
يصف المؤرخ جاي سيكستون هذا التنازل بأنه "بيع تحت تهديد السلاح"، حيث تخلت المكسيك عن أكثر من نصف أراضيها قبل الحرب، بينما حصلت الولايات المتحدة على ما يقرب من 1.36 مليون كيلومتر مربع.
بيع لا ميسيا: إكمال الحدود الجنوبية
على الرغم من انتهاء الحرب المكسيكية الأمريكية عام 1848، استمر التوتر بين البلدين لسنوات. في اتفاق عام 1854، وافقت الحكومتان على بيع شريط صغير من الأراضي المكسيكية في الجنوب أصبح لاحقاً جزءاً من ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو.
عُرف هذا الاتفاق في المكسيك باسم "فينتا دو لي ميسيا"، وفي الولايات المتحدة باسم غادسدن. دفعت الحكومة الأمريكية عشرة ملايين دولار (ما يعادل نحو 421 مليون دولار اليوم) مقابل ما يقرب من 76,900 كيلومتر مربع من الأراضي، لتصبح هذه المنطقة الحدود الجنوبية للولايات المتحدة كما نعرفها اليوم.
شراء ألاسكا: الصفقة التي سخر منها الجميع
لم يدرك كثيرون في عام 1867 السر وراء إصرار وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد على شراء إقليم ألاسكا النائي من الإمبراطورية الروسية. كان سيوارد يرى قيمة استراتيجية كبيرة لهذه الأرض، بينما اعتقدت روسيا أنها تتخلص من إقليم مكلف ومعرض لهجوم بريطاني.
عندما أبرم سيوارد اتفاقاً لشراء الإقليم (الذي تبلغ مساحته 1.554 مليون كيلومتر مربع) مقابل 7.2 مليون دولار (ما يعادل نحو 158 مليون دولار اليوم)، واجه الأمر انتقادات واسعة ووصفها المعارضون بـ"حماقة سيوارد".
لكن رؤية سيوارد أثبتت صحتها لاحقاً، حيث أدى اكتشاف الذهب ثم حقول النفط الضخمة إلى تحويل ألاسكا إلى مصدر ثروة هائلة، كما اكتسبت أهمية عسكرية كبيرة خلال الحرب الباردة، وحصلت على صفة الولاية عام 1959.
شراء جزر العذراء الأمريكية: آخر عمليات الشراء الكبرى
كانت آخر عملية شراء إقليمية قامت بها الولايات المتحدة من الدنمارك عام 1917، عندما اشترت جزر الهند الغربية الدنماركية (المعروفة اليوم بجزر العذراء الأمريكية). بدأ الاهتمام الأمريكي بهذه الجزر الكاريبية منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث رأى سيوارد مرة أخرى أن هذا الإقليم جزء أساسي من رؤيته للتوسع السلمي.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وازدياد تهديد الغواصات الألمانية، عاد اهتمام واشنطن بالجزر، حيث خشيت من أن تغزو ألمانيا الدنمارك وتستولي على الموانئ الاستراتيجية. وجهت الولايات المتحدة تحذيراً للدنمارك مفاده أنه إذا رفضت بيع الإقليم، فقد تضطر إلى احتلاله.
بحلول عام 1917، توصل الطرفان إلى اتفاق نهائي يقضي ببيع الجزر للولايات المتحدة مقابل 25 مليون دولار (ما يعادل نحو 630 مليون دولار اليوم)، مع اتفاق أمريكي بعدم معارضة سعي الدنمارك إلى توسيع نفوذها على غرينلاند.
تشكل هذه العمليات الخمس الكبرى مجتمعة اللبنات الأساسية التي شكلت الحدود الحالية للولايات المتحدة، وتظهر نمطاً متكرراً من التوسع الجغرافي المدعوم بمبررات أمنية واقتصادية، وهو النمط الذي يبدو أنه مستمر حتى اليوم في المناقشات حول غرينلاند ومناطق أخرى.