هيمنة الحرس الثوري على القرار في إيران... دولة داخل دولة
هيمنة الحرس الثوري على القرار في إيران

في ظل التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، برز تضارب واضح في رؤى صنع القرار داخل طهران، حيث كشفت الأحداث عن هيمنة الحرس الثوري على بوصلة القرار، متجاوزًا سلطة الرئيس والمؤسسات المدنية. فبعد العمليات العسكرية التي طالت دولًا خليجية، بادر الرئيس مسعود بزيشكيان بتقديم اعتذارات وتعهدات بعدم تكرار الهجمات، لكن الحرس الثوري سرعان ما نفى هذه التوجهات، مؤكدًا استمراره في استهداف المصالح الأميركية أينما وجدت. هذا التضارب يعكس واقعًا مؤسسيًا تحول فيه الحرس الثوري إلى "دولة داخل الدولة"، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مركز الثقل الحقيقي ومآلات القرار في أروقة الحكم الإيراني.

حرب الأربعين يومًا: منعطف تاريخي

شكلت "حرب الأربعين يومًا" منعطفًا تاريخيًا في مسار إيران، إذ استهدفت إسرائيل مجمعًا في طهران كان يضم اجتماعًا رفيع المستوى للقيادات العليا، مما أسفر، وفق الروايات، عن مقتل نحو 40 شخصية من النخبة السياسية والأمنية والعسكرية، من بينهم المرشد السابق علي خامنئي. وتوالت بعدها سلسلة اغتيالات طالت أسماء وازنة مثل علي شمخاني، وعلي لاريجاني، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، في مسعى لتعطيل آلة القرار الإيرانية.

وفي محاولة لترميم هذا التصدع، عُينت قيادات جديدة، حيث تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد، وأحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري بالإنابة، فيما عُين محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي. غير أن هذه التغييرات لم تحل دون استمرار الخلافات الداخلية، بل زادت من حدة التنافس بين الأجنحة المتصارعة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

البنية المؤسسية: الحرس ثوري يهيمن على ركيزتين

تنص المادة (150) من الدستور الإيراني على أن الحرس الثوري هو الوصي على الثورة ومكتسباتها. ويهيمن الحرس اليوم على ركيزتين أساسيتين: "البسيج" لحماية النظام داخليًا، و"فيلق القدس" للعمليات الخارجية. كما تُقدر عائداته المالية بنحو 12 مليار دولار سنويًا، مما يجعله هدفًا دائمًا للعقوبات الغربية. وإداريًا، تتولى هيئة الأركان العامة تنسيق العمل بين الحرس والجيش التقليدي، بينما يضطلع "مقر خاتم الأنبياء المركزي" بالتنسيق العملياتي الميداني.

أبعاد القرار: شخوص وسياق وجيوسياسية

إن عملية اتخاذ القرار في طهران محكومة بثلاثة أبعاد: طبيعة الشخوص، والسياق السياسي، والواقع الجيوسياسي، وهي أبعاد تعاني جميعها من اختلالات بنيوية اليوم. فالتفكير الاستراتيجي لـ "عقل الدولة" يتمحور حاليًا حول هدف وحيد هو "البقاء"، وهو ما يبرر الهيمنة العسكرية، كون الحرس الثوري أُسس بالأساس للدفاع عن كيان النظام.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وبالرغم من أن المرشد الحالي يمتلك خلفية عسكرية وأمنية في استخبارات الحرس، إلا أنه يفتقد القدرة على ضبط الإيقاع بين الأجنحة المتصارعة. والحقيقة المرة التي يواجهها النظام هي أن البدلاء يفتقرون إلى ثقل الراحلين، فمجتبى لم يصل بعد إلى مرتبة والده في الإدارة، ومحمد باقر ذو القدر يفتقد مرونة سلفه لاريجاني في الوساطة بين العسكر والسياسيين. هذا الفراغ القيادي جعل القرارات المصيرية تتسم بالتردد، خاصة مع استراتيجية الرئيس الأميركي ترامب في تضخيم رواية الانقسام الإيراني، مما أحدث إرباكًا متعمدًا في قنوات الحوار الداخلي.

غياب الشخصية الكاريزمية: الأزمة الحقيقية

إن غياب الشخصية "الكاريزمية" القادرة على حسم الخلافات هو الأزمة الحقيقية التي تواجه طهران اليوم. ففي الماضي، كان المرشد الأعلى السابق علي خامنئي يتمتع بثقل سياسي وديني يمكنه من فرض التوازن بين مختلف الأجنحة، لكن مجتبى خامنئي لم يصل بعد إلى هذه المكانة، مما يترك المجال مفتوحًا للصراعات الداخلية.

الخلاصة: القرار رهينة قبضة الحرس

في المحصلة، يظل القرار الاستراتيجي والفعلي رهينة قبضة الحرس الثوري وقياداته العسكرية التي تهيمن على مفاصل الدولة أمنيًا واقتصاديًا. وبالرغم من وجود المجلس الأعلى للأمن القومي كمطبخ للقرارات، إلا أن النفوذ الحقيقي ينحصر في مثلث: المرشد، وقائد الحرس الثوري، وقيادات الظل، بينما يظل دور رئيس الجمهورية والسياسيين المدنيين هامشيًا ومحدود الأثر أمام سطوة العسكر. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مستقبل إيران في ظل استمرار الهيمنة العسكرية وتزايد الضغوط الخارجية.