يفرض الإنصاف قراءة دور حزب الإصلاح ضمن معركة استعادة الدولة بعيدًا من حملات الشيطنة والتضليل التي تربك أولويات اليمن وتخدم خصومه. أكتب هذا النص وأنا في مرحلة تعافٍ جسدي بعد حادث ألمّ بي خلال زيارتي إلى شنغهاي في الصين، حيث كنت أستعد لإلقاء محاضرة عن المشهد اليمني وتعقيداته. وبالرغم من نصائح الأطباء بالراحة، أجد أن الصمت في لحظة كهذه قد يُفهم تواطؤًا مع حملات تضليل تستهدف أحد أبرز الفاعلين في المشهد اليمني: حزب الإصلاح.
شهادة ميدانية من قلب الأحداث
ما أسطره هنا ليس موقفًا دعائيًا، بل شهادة ميدانية لمن رافق رجاله وقياداته لعشر سنوات عجاف، واطّلع عن قرب على تعقيدات الواقع اليمني بعد الانقلاب الحوثي المشؤوم. منذ الانقلاب على الشرعية، دخل اليمن طورًا جديدًا من الصراع مع سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء ومؤسسات الدولة، في انتهاك صريح لمخرجات الحوار الوطني وللتوافقات السياسية التي كانت تُبنى بصعوبة. في هذا السياق، تشكّلت من القوى المناهضة للانقلاب نواة المقاومة، وكان حزب الإصلاح أحد مكوّناتها الأساسية. دوره، على الأرض، لم يكن تنظيميًا صرفًا بقدر ما كان جزءًا من جهد وطني أوسع لاستعادة الدولة ومنع انزلاق البلاد نحو نموذج الميليشيا المغلقة.
الإصلاح في مرآة الواقع اليمني
من خلال الاحتكاك المباشر، يتضح أن اختزال الإصلاح في توصيفات جاهزة، أو ربطه آليًا بتنظيمات خارجية، هو تبسيط مخل لا يصمد أمام التدقيق. بنية الحزب وسلوكه السياسي يتأثران، أولًا وأخيرًا، بخصوصية البيئة اليمنية: تركيبة قبلية، توازنات مناطقية، وحاجة دائمة إلى التوافق مع شركاء متعدّدين في معسكر الشرعية. هذا ما يفسّر قدرته على العمل ضمن تحالفات متباينة، وتكيّفه مع متطلبات العمل الميداني والسياسي دون انغلاق أيديولوجي حاد.
حملات الشيطنة وأهدافها
حملات الشيطنة التي تتكرر دوريًا ضد الإصلاح لا تنفصل عن تناحر سياسي وإقليمي، حيث يُستخدم وسم "الإخوان" كأداة اختزال تُسهّل تعبئة الرأي العام ضد الخصم. هذه الحملات، في كثير من الأحيان، تتغذى على معلومات مجتزأة أو غير دقيقة، وتُضخّمها منصات إعلامية تسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ داخل اليمن. النتيجة ليست فقط تشويه صورة طرف بعينه، بل إضعاف معسكر مناهضة الانقلاب ككل، وإرباك أولويات المعركة الحقيقية.
الشائعات كأداة للضغط
من بين الشائعات الأخيرة، ما أُثير حول "عقوبات أميركية" مزعومة تستهدف الحزب أو قياداته. في غياب بيانات رسمية واضحة تؤكد ذلك، يتحول الترويج لهذه الروايات إلى أداة ضغط نفسي وسياسي، هدفها إحداث تصدّعات داخل الصف المناهض للحوثي، ودفع بعض الفاعلين إلى إعادة تموضعهم تحت وطأة الخوف أو الحسابات الضيقة. التعامل المسؤول مع مثل هذه المزاعم يقتضي التحقق من مصادرها، وقراءة سياقها، بدل الانجرار خلف موجات تضخيم لا تخدم إلا خصوم الدولة.
أولويات اليمن الاستراتيجية
استراتيجيًا، يحتاج اليمن اليوم إلى مقاربة تُعيد تعريف الأولويات: استعادة مؤسسات الدولة، توحيد الجهود العسكرية والسياسية، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والإنسانية التي فاقمتها سنوات الحرب. ضمن هذا الإطار، يبقى الإصلاح، كغيره من مكوّنات الشرعية، جزءًا من معادلة أكبر، لا يمكن إقصاؤه دون كلفة عالية على تماسك الجبهة الداخلية. كما أن تحميله مسؤولية كل تعقيدات المشهد يتجاهل حقيقة تعددية اللاعبين وتداخل المصالح المحلية والإقليمية.
الدروس المستفادة من الصراع
الدرس الأهم من سنوات الصراع هو أن شيطنة الشركاء لا تبني دولة، وأن تضخيم الخلافات البينية يفتح المجال أمام الميليشيا لترسيخ واقعها. المطلوب هو إدارة اختلافات القوى المناهضة للانقلاب ضمن إطار مؤسسي، وتغليب منطق الدولة على منطق الغلبة. في هذا السياق، يمكن قراءة دور الإصلاح باعتباره رافعة ضمن منظومة أوسع، تتقدم أو تتراجع بقدر ما تنجح في التنسيق وتحديد الأهداف المشتركة.
هذه شهادة أضعها في سجل اللحظة، لا دفاعًا عن حزب بقدر ما هي دفاع عن فكرة الإنصاف في قراءة الوقائع. من خبرة الميدان، يتبيّن أن الطريق إلى استقرار اليمن لا يمر عبر حملات التخوين، بل عبر بناء شراكات واقعية تُعيد الاعتبار للدولة وتضع حدًا لدورة الانقلاب والعنف. وبين ضجيج الشائعات وحقائق الأرض، تبقى مسؤولية الكلمة الصادقة ضرورة لا تحتمل التأجيل.



