حين تُحرَق المبادئ: اختبار الكويت لمبدأ البراءة في زمن الإعلام العاطفي
اختبار الكويت لمبدأ البراءة في زمن الإعلام العاطفي

حين تُحرَق المبادئ: اختبار الكويت لمبدأ البراءة في زمن الإعلام العاطفي

يُعدّ مبدأ «المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي» حجر الزاوية الأساسي في أي نظام قانوني عادل، فهو ليس مجرد عبارة إنشائية أو شعاراً رناناً، بل قاعدة دستورية راسخة ومبدأ مستقر في أحكام قانون الجزاء. ولولا هذا المبدأ الحامي، لتعرّضت أبسط حقوق الإنسان للسحق والاندثار، ولانتُهكت كرامة الأفراد تحت وطأة الاتهامات قبل ثبوتها بشكل قاطع.

مانشيتات متشابهة وخطاب متشنّج

غير أن ما شهدته الصحافة المحلية في الكويت مؤخراً يثير تساؤلات جدية وعميقة حول مدى الالتزام بهذه القاعدة الجوهرية، فقد بدت مانشيتات أمس متشابهة في مضمونها، متسابقة في الإثارة، ومنساقة خلف موجة عاطفية جارفة، غابت عنها روح التروي والحكمة، وحلّ محلها خطاب متشنّج لا ينسجم مع ما قرّره الدستور والقانون من ضمانات وحماية.

إن بيان وزارة الداخلية الكويتية، الذي أعلن عن ضبط خلية متهمة بخرق قوانين أمن الدولة، لم يتضمّن إدانة صريحة للمتهمين، بل اقتصر على عرض وقائع أولية استندت إلى تحريات وأدلة أولية، أعقبها إحالة القضية إلى الجهات المختصة. وهنا تبدأ المرحلة الحقيقية للعدالة: حيث تتولى النيابة العامة التحقيق، بوصفها الجهة القانونية المخوّلة، لتقرر لاحقاً إما الإحالة إلى القضاء أو حفظ الأوراق، أما الحكم النهائي، فلا يصدر إلا عن المحاكم، وليس عبر عناوين الصحف أو منصات التواصل الاجتماعي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

انجراف إعلامي وخطورته على العدالة

لكن ما حدث أن بعض وسائل الإعلام لم تلتزم بهذا المسار القانوني الواضح، وانجرفت خلف خطاب غوغائي قائم على الإثارة والمزايدة الوطنية، مستخدمة لغة تتجاوز حدود المهنية والموضوعية، وتُسهم في تشكيل رأي عام مُسبق، قد يضر بسير العدالة ويقوّض الثقة بمؤسساتها الراسخة.

إن نشر مثل هذه الأخبار بهذه الطريقة لا يخدم مصلحة الوطن، بل يضر بها بشكل كبير، فالوطن لا تُحمى مصالحه بالاندفاع العاطفي أو التهويل الإعلامي، إنما بالاتزان والروية، واحترام سيادة القانون، وترسيخ مبدأ دولة المؤسسات، كما أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يتطلب خطاباً مسؤولًا، يبتعد عن التحريض أو التصنيف، ويؤكد أن الجميع - حكاماً ومحكومين - خاضعون للقانون وحده.

الاحتكام للقضاء: الضمانة الحقيقية

في نهاية المطاف، يبقى الاحتكام إلى القضاء المستقل، واحترام إجراءاته الدقيقة، هو الضمانة الحقيقية لتحقيق العدالة، وصون الحقوق الأساسية، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً للجميع. هذا المبدأ ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حيوية لضمان استمرار المجتمع في ظل نظام يحمي الحقوق ويصون الكرامات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي