لم يكد يجف حبر «اتفاق الإطار» الثلاثي الموقع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية، هندسها وزير الخارجية ماركو روبيو، حتى تلاشت العناوين الاحتفالية صباح اليوم لتحل مكانها معركة التنفيذ والمصير.
إعادة رسم التوازنات الداخلية
الأزمة الراهنة في لبنان تتجاوز بنود الاتفاق لتطال معادلة إعادة رسم التوازنات الداخلية وعلاقة بيروت بالإقليم. وفي العمق السياسي، يأتي هذا الاتفاق خطوةً أمريكيةً حاسمةً لفصل الساحات؛ تهدف إلى سحب الملف اللبناني من دائرة الابتزاز المقايض بالتفاهمات مع طهران، ويضعه في مسار مشروط يربط الانسحاب الإسرائيلي المتدرج بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، وبسط سيادة الدولة عبر «مناطق تجريبية» يتسلّمها الجيش اللبناني مدعوماً بحظر صارم يمنع وصول أموال إعادة الإعمار أو المساعدات (100 مليون دولار إنسانية و30 مليون دولار عسكرية) إلى أي فصيل مسلح.
ويترافق ذلك مع إنشاء آلية تنسيق ومراقبة أمريكية مباشرة وملحق أمني سري، إضافة إلى التمهيد لتشكيل مجموعات عمل لاحقة تبحث في ترتيبات أمنية أوسع. وهي صيغة تعكس انتقال واشنطن من دور الوسيط إلى دور الضامن التنفيذي لمراحل الاتفاق.
جبهة رفض سياسية شرسة
هذا المنعطف فجّر جبهة رفض سياسية شرسة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سارع في عناوين اليوم إلى وصف الاتفاق بأنه «إملاءات أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 مايو 1983»، جازماً بأن «هذا الاتفاق لن يمر ولن يُنفّذ».
وضمن قراءة استراتيجية لحراك عين التينة، يتضح أن بري تعمّد عدم الدعوة إلى مواجهة في الشارع أو إسقاط حكومة نواف سلام، بل اختار الرهان على «استحالة التنفيذ» وتلغيم المسار من الداخل. فالرجل يدرك أن أي تعثّر في حلقة نزع السلاح كفيل بتجميد تعهدات الانسحاب الإسرائيلي. واستباقاً للضغوط الدولية التي قد تدفع باتجاه صدام داخلي، فرض بري خطاً أحمر حول قيادة الجيش برئاسة العماد رودولف هيكل، مانعاً أي محاولة لإقالته، معتبراً أن مخرج لبنان الوحيد يكمن في التوازنات التي ينتجها المسار التفاوضي الأمريكي-الإيراني الأوسع لا الاتفاقات المنفردة.
في المقابل، يدفع الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام باتجاه تثبيت الاتفاق مساراً دولياً قابلاً للتدرّج، مع التركيز على ما يعتبرانه فرصة لإعادة تفعيل دور الدولة واستعادة الدعم العربي والدولي، رغم إدراكهما لحجم التعقيدات الداخلية المحيطة بالتنفيذ.
مأزق الحصار السياسي والمالي
ميدانياً، يضع الاتفاق حزب الله أمام مأزق الحصار السياسي والمالي، ورغم إعلانه الحرب على ما يزعم أنه «اتفاق ذل وعار ينزع ورقة لبنان من يد إيران»، إلا أن حساباته تتسم بالحذر. إذ يعمل على تجنب الصدام الأهلي الذي حذّر منه بري بوصفه «فتنة»، مراهناً على عجز السلطة اللبنانية عن تطبيق بنود نزع السلاح بالقوة، وعينه على الأوراق الإقليمية البديلة كالتصعيد الموازي في مضيق هرمز.
هذا الانقسام الداخلي يلتقي مع الشكوك الإستراتيجية في تل أبيب. فبينما يحتفي بنيامين نتنياهو بانتزاع شرعية البقاء في «المنطقة الأمنية» حتى زوال التهديد، تعكس تحليلات الأوساط العسكرية العبرية، كقراءة الخبير رونين بيرغمان توجساً حقيقياً من خلو الاتفاق من جداول زمنية واضحة أو آليات لوقف إطلاق النار، والتشكيك بقدرة لبنان على التنفيذ التي قد تحوّل الوثيقة إلى حبر على ورق ما لم تتبعها خيارات «الحسم العسكري»، وهو ما يجعل معركة التنفيذ على الأرض أكثر تعقيداً وضراوة من معركة التوقيع في واشنطن.



