من ميليشيا الجنجويد إلى قوة موازية: رحلة الدعم السريع وتأثيرها على استقرار السودان
في تحليل عميق للأوضاع في السودان، يبرز دور قوات الدعم السريع كعامل رئيسي في تعقيد المشهد الأمني والسياسي، حيث تطورت هذه القوات من جذور قبلية إلى كيان عسكري موازٍ للجيش النظامي، مما أسهم في إطالة أمد الصراعات وتهديد استقرار البلاد.
الجذور التاريخية: من الجنجويد إلى الدعم السريع
تعود أصول الدعم السريع إلى ميليشيا الجنجويد، التي ظهرت في إقليم دارفور خلال الثمانينيات، كتحالف قبلي مسلح. في عام 2003، تحولت هذه الميليشيات إلى قوة تدعمها الدولة لمواجهة تمرد حركات مسلحة في دارفور، بقيادة شخصيات مثل موسى هلال ومحمد حمدان دقلو (المعروف بحميدتي).
في عام 2013، ارتكب نظام عمر البشير خطأً إستراتيجيًا بإعادة هيكلة الجنجويد لتصبح قوات الدعم السريع تحت قيادة حميدتي، وتبعيتها لجهاز الأمن والمخابرات الوطني. بحلول عام 2017، حصلت هذه القوات على استقلاليتها بعد موافقة البرلمان السوداني، لتصبح كيانًا عسكريًا موازيًا للجيش، مع ميزانية وهيكل خاصين.
التطور والنفوذ: من المشاركة الإقليمية إلى الصراع الداخلي
شاركت قوات الدعم السريع في التحالف العربي في اليمن عام 2015، تحت إشراف إماراتي، مما عزز نفوذها. في عام 2019، انحازت إلى المتظاهرين ضد نظام البشير، ثم تقاسمت السلطة مع الحكومة الانتقالية، حيث أصبح حميدتي نائبًا لرئيس مجلس السيادة.
غير أن الخلافات حول دمج هذه القوات في الجيش السوداني، والتي تتراوح أعدادها بين 100 ألف و150 ألف مقاتل، أدت إلى تصاعد التوتر. اختلف الجيش والدعم السريع على جدول الدمج وتبعية القوات، بالإضافة إلى إدارة موارد التعدين، مما تطور إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023.
العواقب المدمرة: انتهاكات ومجاعة ونزوح
نتج عن هذه الحرب سقوط أكثر من 150 ألف قتيل خلال ثلاث سنوات، مع انتهاكات خطيرة تشمل التطهير العرقي في الفاشر، واغتصاب النساء، وقتل الأطفال، وقصف مراكز الإغاثة والمستشفيات. كما أدت إلى مجاعة في معسكر زمزم بدارفور، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص، مما يهدد وحدة التراب السوداني.
الدعم المالي والإقليمي: تمويل ذاتي وتدخلات خارجية
يعتمد الدعم السريع على تمويل ذاتي من خلال السيطرة على مناجم الذهب في دارفور وكردفان، وتهريبه عبر أسواق إقليمية لشراء السلاح. بالإضافة إلى فرض جبايات على الشاحنات والأسواق، وامتلاك عائلة حميدتي استثمارات خارجية.
يتلقى الدعم السريع دعمًا إقليميًا، حيث يتهم الجيش السوداني الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي عبر مطارات في تشاد ومعسكرات في إثيوبيا. كما شاركت مجموعات مثل مرتزقة كولومبيا ومجموعة فاغنر الروسية في تقديم الدعم، رغم تراجع العلاقة مع الأخيرة منذ 2025.
الإستراتيجيات المحلية والدولية لمواجهة التحدي
يعتمد الجيش السوداني على إستراتيجيات متعددة لكسر قوة الدعم السريع، تشمل:
- التركيز على حرب المدن بدلاً من المناطق المفتوحة.
- اختراق الحاضنة القبلية عبر استمالة زعماء مثل موسى هلال.
- تشكيل مقاومة شعبية في ولايات الشمالية والشرقية.
- عقد تحالفات مع حركات مسلحة في دارفور.
على الصعيد الدولي، تسعى الحكومة السودانية إلى تصنيف الدعم السريع كميليشيا إرهابية، من خلال توثيق جرائم ضد الإنسانية. وجدت هذه الإستراتيجية دعمًا من المملكة العربية السعودية، التي ناقشت الوضع مع الإدارة الأمريكية خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في نوفمبر 2025، للمساعدة في إنهاء الحرب.
الامتدادات القبلية والتحديات المستقبلية
يتمتع الدعم السريع بامتدادات قبلية في دول مثل تشاد والنيجر وليبيا، مما يمكنه من استقطاب مقاتلين من إفريقيا الوسطى ومالي، وتجنيد المنشقين. هذا التداخل القبلي يجعل الصراع أكثر تعقيدًا، ويؤكد على ضرورة حلول شاملة لاستعادة الاستقرار في السودان.
