توسع نووي صيني سري: صور الأقمار الصناعية تكشف عن تحصينات وأنابيب جديدة في وديان سيتشوان
كشفت صور أقمار صناعية حديثة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، عن توسع ملحوظ في منشآت نووية سرية داخل الصين، في وقت تشهد فيه الضمانات الدولية المرتبطة بالحد من انتشار الأسلحة النووية تراجعاً كبيراً. وتظهر الوديان الواقعة جنوب غربي البلاد نشاطاً متسارعاً يعكس توجهاً استراتيجياً يتماشى مع مرحلة جديدة من التنافس بين القوى الكبرى، مما يثير تساؤلات حول دخول بكين مرحلة القوة المطلقة في المجال النووي.
تفاصيل المواقع السرية في مقاطعة سيتشوان
في وادي "زيتونغ" بمقاطعة سيتشوان، يعمل مهندسون على إنشاء مستودعات محصنة وبنى دفاعية جديدة، إلى جانب مجمع مزود بشبكة أنابيب يُرجح ارتباطها بمواد عالية الخطورة، مما يشير إلى استخدامات نووية محتملة. أما موقع "بينغتونغ" القريب، والمسيّج بإجراءات أمنية مشددة، فيُعتقد أنه مخصص لتصنيع نوى رؤوس نووية تعتمد على البلوتونيوم، مع تحديثات إنشائية شملت أنظمة تهوية وتبريد وبناء مرافق إضافية.
وتُعد هذه المواقع جزءاً من شبكة أوسع من المنشآت النووية التي شهدت توسعات خلال السنوات الأخيرة، ما يزيد تعقيد الجهود الرامية إلى إحياء اتفاقيات ضبط التسلح بعد انتهاء آخر معاهدة قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا. وتؤكد واشنطن ضرورة إشراك بكين في أي ترتيبات مستقبلية، بينما لا تبدي الأخيرة حماساً لذلك، مما يضيف طبقة جديدة من التوتر في العلاقات الدولية.
تحليل الخبراء والتقديرات العسكرية
يرى خبراء في تحليل الصور الجيومكانية أن التغييرات الميدانية تتوافق مع مسعى صيني أوسع لتعزيز مكانتها كقوة عظمى، حيث تمثل القدرات النووية ركناً أساسياً في هذا التوجه، مع تسارع ملحوظ منذ عام 2019. كما أصبح هذا التوسع مصدراً إضافياً للتوتر مع الولايات المتحدة، وسط اتهامات أمريكية لبكين بإجراء تجارب نووية سرية، وهو ما تنفيه الصين بشدة.
تشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الترسانة النووية الصينية تجاوزت 600 رأس نووي بحلول نهاية 2024، وقد تصل إلى نحو ألف رأس بحلول عام 2030. ورغم أن هذا العدد لا يزال أقل بكثير من مخزونات واشنطن وموسكو، فإن وتيرة النمو تثير قلقاً متزايداً لدى خبراء الأمن النووي، خصوصاً في ظل غياب حوار فعال حول مستقبل التسلح الاستراتيجي.
جذور تاريخية وتصميم المنشآت
تاريخياً، تعود جذور هذه المنشآت إلى مشروع "الجبهة الثالثة" الذي أطلقه ماو تسي تونغ قبل نحو ستة عقود لحماية البنية النووية من أي ضربات محتملة. وبعد انحسار التوترات الدولية في ثمانينيات القرن الماضي، تقلص نشاط بعض المواقع أو أُغلق، بينما استمر العمل تدريجياً في مواقع أخرى قبل أن يتسارع مجدداً خلال السنوات السبع الأخيرة، مترافقاً مع إنشاء مختبرات متقدمة لدراسة الرؤوس النووية دون إجراء تفجيرات فعلية.
يشير تصميم منشأة "بينغتونغ" إلى دورها المحتمل في تصنيع "الفجوات" المعدنية التي تُعد قلب الرأس النووي المحتوي على البلوتونيوم، في بنية معمارية تشبه مرافق موجودة في دول أخرى، بينها مختبر لوس ألاموس الوطني. أما منشأة "زيتونغ"، فيُرجح استخدامها لاختبار متفجرات تقليدية عالية الشدة تُهيئ الظروف اللازمة لبدء التفاعلات النووية.
مخاطر مستقبلية وتحذيرات الخبراء
بينما يتواصل هذا التوسع النووي الصيني السري، يحذر خبراء من أن غياب قنوات الحوار والشفافية قد يدفع القوى الكبرى إلى التخطيط بناءً على أسوأ السيناريوهات، ما يزيد من مخاطر سباق تسلح نووي جديد في النظام الدولي. هذا الوضع يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى إحياء الجهود الدبلوماسية لضبط التسلح، خاصة مع تزايد التقارير عن نشاطات سرية في مناطق نائية من الصين.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل تدخل الصين مرحلة القوة المطلقة في المجال النووي؟ الإجابة قد تكمن في المزيد من الشفافية والتعاون الدولي، لكن الصور الحالية تشير إلى اتجاه مقلق نحو تعزيز القدرات النووية بعيداً عن أعين المجتمع الدولي.