عن أي منظومة دفاعية تتحدثون؟ غياب السيادة قبل السلاح في العراق
عن أي منظومة دفاعية تتحدثون؟ غياب السيادة قبل السلاح

يكشف استمرار القصف والتدخلات الإقليمية أن أزمة العراق الجوهرية ليست نقص السلاح الدفاعي، بل غياب السيادة الحقيقية على الأرض والقرار. العراق مسلوب السيادة والإرادة، فعن أي منظومة دفاعية تتحدثون؟

تاريخ من القصف والتدخلات

يتسم العراق، وخاصة إقليم كوردستان، بتاريخ طويل ومستمر من القصف والتدخلات التركية والإيرانية. الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف الإقليم من قبل إيران وذيولها تتجدد مشاهدها اليوم بطرق أخرى، بالرغم من الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. الضحية مدنيون أبرياء، كل ذنبهم أنهم يعيشون في بلد منزوع السيادة، والمجرم غادر لا أحد يستطيع إيقافه ما دامت الدولة ناقصة السيادة.

السيادة أم أنظمة باتريوت؟

بالرغم من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تعرض مخيم سورداش ضمن ناحية دوكان في محافظة السليمانية لهجوم صاروخي جديد، مما تسبب بأضرار مادية كبيرة. يأتي هذا الهجوم في إطار سلسلة من الهجمات الإرهابية المتواصلة على إقليم كوردستان من قبل إيران. حسب الإحصاءات الرسمية المحلية، تعرض الإقليم منذ إعلان وقف إطلاق النار للقصف بأكثر من 16 طائرة مسيّرة، استهدفت غالبية الهجمات مخيمات عوائل الأحزاب العارضة الإيرانية، مما أسفر عن استشهاد عدد من ساكني تلك المخيمات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دعت حكومة الإقليم رسميًا شركاءها الدوليين إلى توفير منظومات دفاع متطورة لحماية أجواء الإقليم، ناسية أن المنظومات الدفاعية لا تحل المشكلة، لأن العراق ينقصه السيادة قبل أي شيء آخر. تتواصل القوات التركية هجماتها وتوغلاتها داخل الأراضي العراقية منذ أكثر من 30 عامًا بذريعة محاربة حزب العمال الكوردستاني، وازدادت هذه الهجمات بعد سقوط الصنم عبر احتلال مساحات كبيرة داخل العراق وإنشاء معسكرات ومقرات لقواتها. على الرغم من إعلان العمال الكوردستاني إيقاف عملياته العسكرية ضد تركيا وموافقته على نزع السلاح، إلا أن الاستهدافات التركية مستمرة.

ضعف القرار الأمني

يرى مراقبون ومحللون أن استهداف العراق من قبل الدول الإقليمية وميليشياتها يكشف عن افتقار العراق إلى السيادة الحقيقية، على الرغم من أن المادة الأولى من الدستور العراقي تنص على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة. ضعف القرار الأمني للحكومة العراقية دفع الفصائل الموالية للدول الإقليمية إلى التصرف بمسار معارض لمصالح الدولة العراقية. شروط تلك الفصائل لوقف عملياتها تتمثل بعدم استهدافها من قبل الولايات المتحدة، مؤكدة أنها ستستأنف الهجمات على المصالح الأميركية في حال فشل الهدنة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

استمرار الهجمات رغم المنظومات

ستستمر الهجمات التي تنفذها الميليشيات العراقية الموالية لإيران على إقليم كوردستان حتى إذا وقفت الحرب بشكل نهائي، كما تستمر تركيا في تدخلاتها العسكرية في شمال العراق. يعكس هذا الواقع طبيعة النفوذ الإيراني والتركي المتجذر في العراق منذ عام 1991، حيث عملت تركيا وإيران على توسيع حضورهما السياسي والعسكري والاقتصادي داخل الإقليم ومن خلال الأحزاب الكوردية. نجحت إيران وتركيا في ترسيخ شبكة نفوذ عميقة داخل الإقليم، مما يجعل من المستحيل فصل ساحة الإقليم عن أي صراع إقليمي ودولي.

الخلافات الكوردية الداخلية

يجد الإقليم نفسه أمام معادلة معقدة جدًا: من جهة يسعى إلى الحفاظ على استقراره الداخلي، ومن جهة أخرى منشغل بخلاف قديم جديد بين السليمانية وأربيل. هذه خلافات عميقة بين الإخوة الأعداء تتفاعل على وقع الاستقطاب الحزبي، والانقسام الجغرافي، والتنافس على السلطة والثروة، والأبعاد الإقليمية. اختيار رئيس الجمهورية فتح بابًا جديدًا للصراع الكوردي-الكوردي، خصوصًا بين الحزبين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني. جاءت هذه الخلافات في لحظة حساسة شهدت تباينات حادة داخل المكونات العراقية الثلاثة بشأن تقاسم المناصب العليا.

المطامع التركية

القادة الأتراك، منذ عام 1991، لم يكفوا عن ترديد التصريحات التي تكشف مطامعهم العدوانية في أرض العراق وثرواته، والمطالبة بعودة ولاية الموصل إلى تركيا، ويمنحون أنفسهم حق الوصاية على تركمان العراق. يواصلون سياستهم التعسفية في مجال المياه ورفض الاعتراف بدجلة والفرات كنهرين دوليين. تهدد تركيا بين فترة وأخرى بالتدخل لحماية المكون التركماني في مدينة كركوك، وتعتبر أنها موطن التركمان لا تسمح بزعزعة الاستقرار والأمن فيها. تتمسك تركيا بما يعرف بالميثاق الملي الذي لم يعد فقط وثيقة من القرن الماضي، بل أداة يعاد إحياؤها لتبرير التحركات الجيوسياسية التركية اليوم، وسط صمت محلي وإقليمي ودولي لافت.

زيارة قاآني

من المضحك المبكي أن رأس الحية إسماعيل قاآني وصل إلى بغداد بصورة مفاجئة، وكأنه حاكم عسكري فعلي للعراق، والتقى بالذيول المرتبطة بفيلق القدس، والمهيمنة على العراق نيابة عن بلده. ثمن موقفهم وشكرهم على انخراطهم بشكل مباشر في الحرب من خلال مهاجمتهم بالصواريخ والقذائف الباليستية والطائرات المسيّرة لأهداف أميركية وغير أميركية، وتحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة. انتقد التدخلات الأميركية في تشكيل الحكومة العراقية، والتي تسيطر على عائدات النفط العراقي بالدولار، مهددًا بقطع التمويل للحد من النفوذ الإيراني. قال قاآني: "إن تشكيل الحكومة حق للشعب العراقي، ولا حق لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية التدخل في شؤونه".

خلاصة

أعتقد جازمًا أن التدخلات والانتهاكات ضد الإقليم ستستمر حتى وإن حصل على منظومات الدفاع الجوي، ما دامت الانتماءات الفرعية هي فوق الانتماء الوطني، ويبقى العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية، وكجزء رئيسي في المدرك الاستراتيجي الأميركي في الشرق الأوسط من جهة، وحجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية من جهة أخرى. فعن أي منظومات الدفاع تتحدثون، والبلد محتل من قبل الأصدقاء قبل الأعداء؟