بات دونالد ترامب أقل توتراً وأكثر تركيزاً وارتياحاً مع نفسه ومع قراراته، نتيجة اقتناعه بأن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية هو الأداة الأكثر فاعلية في هذه المرحلة. هذا الحصار لا يشبه التهديد بالقصف، بل يتجاوزه، لأنه يضرب النظام في طهران في عمقه الاقتصادي ويُربكه أكثر مما تفعل الضربات العسكرية المباشرة، فيما تبقى تكلفته على الولايات المتحدة محدودة.
هذا التحول نقل التوتر من دونالد ترامب إلى رجال الحرس الثوري الحاكم في طهران الذين يدركون أن الوقت لم يعد في مصلحتهم. لم يعد ممكناً استخدام تكتيك المماطلة أو شراء الوقت، لأن الحصار البحري أغلق هذه النافذة بالكامل. ما كان في السابق أداة تفاوض أصبح اليوم أداة خنق. وهذا ما يفسر حالة الاستنفار داخل منظومة الحكم، حيث يتداخل نظام الحرس الثوري الراديكالي مع نظام الملالي في سباقٍ على القرار وعلى النجاة.
ركيزة لا خيار
دونالد ترامب لا يتعامل مع الحصار البحري كخيار موقت، بل كركيزةٍ أساسية في استراتيجيته. هو يربطه بعقوبات اقتصادية متصاعدة، وبإعادة ترتيب القدرات العسكرية الأميركية، وبوضع بنك أهداف داخل إيران. في الموازاة، هناك جاهزية إسرائيلية لتنفيذ ما يُطلب منها، بما في ذلك عمليات نوعية أو استهداف شخصياتٍ تمثل خط التشدد داخل الحرس الثوري.
أخطأ الرئيس الأميركي عندما تباهى بأن سياساته أدت إلى تغيير النظام في إيران، ثم استدرك بعدما تبيّن له أن النظام ملتزم عقيدة الجمهورية الإسلامية، وأن لا وجود لما يسمى الاعتدال عند تنفيذ هذه العقيدة النووية والصاروخية وعقيدة الوكلاء والبطش، في أي محاولة داخلية للتغيير. فشلت معادلة تجنب استهداف النظام والاكتفاء بإجباره على تعديل سلوكه تحت الضغط. الجيش الإيراني خيّب التوقعات بأن يكون أداة انتقالٍ أو تكيّف تمنع الانهيار الكامل للنظام.
راهن ترامب على نموذج مشابه لفنزويلا، لكنه اصطدم بواقعٍ مختلف تحكمه العقيدة مرفقة باستراتيجية الانتحار. عندها تخلّى عن سياسة الإقناع والإرضاء وإغداق الحوافز، بما في ذلك لغة "الصفقة الكبرى"، بعدما تبيّن له أن عقلية البازار والمكابرة لا تستجيب. وجاء التحول الحاسم مع اعتماد المؤسسة العسكرية خيار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لتطويق التهديد الإيراني في مضيق هرمز.
إيران ترتبك وتكابر
إيران ارتبكت وكابرت، لأن الحصار البحري يخنقها اقتصادياً، وأي تراجع أمامه يُعد استسلاماً في نظر قيادتها. لذلك يميل الحرس الثوري إلى خيار كسر الحصار بالقوة، انطلاقاً من قناعة بأن استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهةٍ عسكرية قد يكون أقل تكلفة من الاستمرار في حالة "لا حرب ولا سلم".
معادلة حصار أميركي على الموانئ في مقابل حصار إيراني على مضيق هرمز بدأت تحرق الورقة الإيرانية. إغلاق المضيق لم يعد سلاحاً فعالاً بقدر ما أصبح عبئاً استراتيجياً. الحصار البحري عطّل قدرة إيران على تصريف نفطها، ما أدى إلى تكدّسه داخل منشآتها. أسطول الظل لم يعد قادراً على الالتفاف على العقوبات، والنفط العائم فقد مساراته. النتيجة اختناق اقتصادي ذاتي.
هذا الاختناق لا يقتصر على إيران فحسب، بل يمتد إلى الصين التي تجد نفسها أمام تكلفة مباشرة. تكدّس النفط الإيراني يضر بمصالحها المرتبطة باستيراد الطاقة، في وقتٍ لا تملك فيه القدرة على كسر الحصار أو فرض حلٍ على طهران. بكين أمام خيارين: الضغط على إيران أو الاستمرار في دفع ثمن التعنت. في الحالتين، تحوّل الحصار البحري إلى عامل ضغط متعدد الطرف، لا على إيران وحدها، بل على من استفاد من أسطول الظل، وعلى أطراف دولية أخرى وجدت نفسها أمام إعادة حسابات في علاقاتها.
تراجع فرص العودة إلى المفاوضات
تتراجع فرص العودة إلى مفاوضات إسلام آباد. التناقض بين الحصار الأميركي والإصرار الإيراني على كسره بالقوة يجعل العودة إلى الطاولة أكثر صعوبة. باكستان تحاول إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، لكنها تعمل تحت ضغط الزمن، وتدرك أن هامش المناورة يتقلص.
يحاول دونالد ترامب تجنب الانجرار إلى الحرب وفق الأجندة الإيرانية، لكن الولايات المتحدة ترفع في الوقت نفسه مستوى الجاهزية العسكرية. المؤسسة العسكرية تنتظر القرار السياسي: الاستمرار في الحصار أم الانتقال إلى الخيار العسكري. الخطر يكمن في احتمال أن يقدم الحرس الثوري على خطوةٍ استفزازية، كاستهداف سفينة أو الاشتباك مع الأسطول الأميركي. مثل هذه الخطوة ستدفع الأمور بسرعة نحو التصعيد. عندها قد يلجأ ترامب إلى تنفيذ ما توعد به، أي "الغضب الملحمي"، بضربٍ شامل للبنية التحتية الإيرانية.
في هذا السياق، تبرز جزيرة خرج كعنوانٍ حاسم في معادلة الانتصار والهزيمة. السيطرة عليها أو تحييدها قد يحدد مسار الصراع نظراً إلى دورها المركزي في تصدير النفط الإيراني.
الداخل الإيراني: لا تغيير في طبيعة النظام
في الداخل الإيراني، لا تغيير في طبيعة النظام. الحرس الثوري ما زال يمسك بالقرار، والعقيدة الراديكالية تحكم السلوك. التشتت القائم هو صراع على النفوذ داخل المنظومة التي لا خروج عنها. القلق يتصاعد داخل منظومة الحكم، ليس بسبب الاختناق الاقتصادي والعسكري فحسب، بل لإدراكٍ عميق بأن الانفجار الداخلي آتٍ عاجلاً أم آجلاً، بعد إهدار فرصة تفاوضية كبرى.
وجد دونالد ترامب نفسه تحت ضغط المقارنة مع باراك أوباما، وسط انتقادات تتهمه بالتراجع واللين. هذه الضغوط دفعته إلى تثبيت موقعه وعدم التراجع. بسبب ذلك، قرر أنه لا يستطيع التراجع. أي خطوة إلى الوراء ستُفسر كهزيمةٍ سياسية داخلية. لذلك يتمسك بالحصار البحري كخيار يحقق له الضغط من دون تكلفة الحرب، ويضع عبء الأزمة على إيران أكثر مما هو على الولايات المتحدة.
فمن جهة، عالج الرئيس الأميركي القلق الذي أُثير حول احتمال إبرام صفقة مع رجال الحكم في طهران تنحصر بالمسألة النووية وتتجنب الصواريخ والمسيّرات وتتغاضى عن سلوك إيران الإقليمي عبر الأذرع والوكلاء. هذا القلق شكك في صدقيته وفي عزمه على التمايز عن صفقة باراك أوباما. ومن جهة أخرى، جاء دفع الإدارة الأميركية بقوة نحو المسار اللبناني–الإسرائيلي، ليس بإلزام إسرائيل وقف النار فحسب، بل أيضاً بفرض مفاوضاتٍ مباشرة مع الدولة اللبنانية بهدف التوصل إلى اتفاقٍ ينهي الاحتلال، ليعيد قدراً من الصدقية إلى التعهدات الأميركية.



