السعودية تدعم موازنة اليمن بـ1.3 مليار ريال: الاقتصاد خط الدفاع الأول للاستقرار الإقليمي
في تقدير الدول لمصالحها وحسابات استقرارها، لا تكون القرارات الكبرى دائماً صاخبة أو ظاهرة للعيان. فهناك قراراتٌ تُفهم قيمتها الحقيقية خارج حدود الأرقام والمبالغ المعلنة، حيث تُقاس قوة الدول وحجمها الفعلي ليس بكثرة ما يُعلَن على الورق، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية التي تحمي الاستقرار وتدعم التوازن. وعندما تُقرر دولة بحجم المملكة العربية السعودية دعم موازنة الحكومة اليمنية بمبلغ 1.3 مليار ريال سعودي لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، فإن القراءة المتأنية لهذا القرار لا ترى فيه مجرد تحويل مالي عابر، بل ممارسة سيادية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الدولة وكيف يُصان توازنها في الأوقات الصعبة.
الاقتصاد كبنية داعمة للمجتمع في الظروف الدقيقة
فالمسألة في جوهرها ليست رقماً مالياً فحسب؛ فالاقتصاد في الدول التي تمر بظروف دقيقة وحساسة هو البنية الأساسية التي يتكئ عليها المجتمع بأكمله. فالدولة التي تتعثر في دفع رواتب موظفيها لا تواجه خللاً إدارياً أو مالياً فقط، بل تبدأ في فقدان أهم عناصر تماسكها الداخلي، وهو الثقة. وهذه الثقة هي ما يحفظ انتظام السوق، واستقرار الأسرة، وقدرة المؤسسات على الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية. ومن هنا، فإن دعم بند الرواتب ليس تفصيلاً مالياً عابراً، ولكنه يعكس تثبيتاً لنقطة الارتكاز الأساسية للدولة، حيث يصبح الراتب في مثل هذه الظروف ليس مجرد رقم في كشف حساب، بل سبب رئيسي لطمأنينة الأسرة واستمرار الحياة اليومية بوتيرة لا تحتمل الانقطاع.
إن انتظام الرواتب يعني بقاء الدورة الاقتصادية فاعلة ونشطة، واستمرار القوة الشرائية للمواطنين، وتحريك الأسواق المحلية، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الانكماش والانهيار. كما أن مبلغ الـ1.3 مليار ريال يسهم بشكل مباشر في انتظام التدفقات المالية الحكومية في اليمن، ويحد من الاختلالات المالية والإدارية، ويمنح الإدارة اليمنية مساحةً أكبر لأداء وظائفها بعيداً عن ضغط الانقطاع المالي. وهذا الدعم يدعم النشاط التجاري ويهيئ بيئة أكثر قابلية للتعافي التدريجي والاستقرار الطويل الأمد، حيث تكون هذه النتائج عملية وملموسة لاستقرار الدخل واستمرار الإنفاق المنضبط، لا مجرد تقديرات نظرية أو وعود غير محققة.
نهج مستمر منذ 2012: إجمالي الدعم يصل إلى 12.6 مليار دولار
ولا يمكن قراءة هذا القرار المالي الهام خارج سياقه الممتد والطويل الأمد؛ فمنذ عام 2012 وحتى عام 2026، بلغ إجمالي ما قدمته المملكة العربية السعودية لدعم الاقتصاد اليمني نحو 12.6 مليار دولار أمريكي، تنوّعت بين ودائع بنكية ومنح مباشرة ومشروعات تنموية شاملة. وفي يناير من العام الماضي، أُعلن عن حزمة دعم إضافية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، شملت 28 مشروعاً ومبادرة في قطاعات حيوية كالصحة والطاقة والتعليم. هذا الامتداد الزمني والتنوع في أشكال الدعم يؤكد أن المسألة ليست استجابة عابرة أو مؤقتة، بل نهج مستمر واستراتيجي يعكس التزاماً عميقاً بدعم الاستقرار والتنمية في اليمن.
وإذا كان المشهد اليمني يُختزل أحياناً في أبعاده السياسية أو الأمنية فقط، فإن المقاربة السعودية تنظر إليه بوصفه ملفاً تنموياً وإنسانياً أيضاً، حيث لا تقل التنمية أهمية عن الأمن، ولا يُفرض الاستقرار بالتوازنات السياسية وحدها، بل يُرسّخ بانتظام الخدمات الأساسية وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها. إن حضور المملكة في اليمن ينطلق من قناعة واضحة بأن استقرار الجوار امتداد لاستقرار المنطقة بأسرها، وتأمين ميزانية الرواتب هو تعبير عملي عن دعمٍ يمس حياة المواطن اليمني مباشرة، ويعكس التزاماً عربياً ثابتاً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية، بعيداً عن منطق المقايضة أو الظرفية السياسية الضيقة.
رؤية استراتيجية: استقرار اليمن عنصر أساسي في أمن الجزيرة العربية
ويأتي هذا المسار الداعم امتداداً لرؤية قيادةٍ وضعت استقرار الجوار في صميم حساباتها الإستراتيجية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة مترابط وغير قابل للتجزئة، وأن دعم الدولة اليمنية ليس موقفاً ظرفياً أو مؤقتاً، بل التزاماً عربياً يعكس إيماناً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية المستدامة. ومن منظور إقليمي أشمل، فإن استقرار اليمن ليس شأناً داخلياً منفصلاً، بل عنصراً أساسياً في معادلة أمن الجزيرة العربية والمنطقة ككل.
فالجغرافيا مترابطة، والاقتصاد عابر للحدود، وأي اختلال في دورة الدولة أو اقتصادها ينعكس أثره سلباً خارج حدودها. ومن هنا، فإن دعم الموازنة اليمنية يُفهم ضمن رؤية استراتيجية ترى أن تحصين الاقتصاد هو أحد أهم مفاتيح تثبيت الاستقرار الإقليمي وضمان الأمن المشترك. وهنا تحديداً تتجلى فلسفة الدولة الحقيقية: ليست القوة في ما يُعلن أو يُظهر، بل في ما يُثبَّت ويُدعم على أرض الواقع.
وحين تُدار السيادة بعقل اقتصادي راشد وحكيم، يصبح الدعم المالي استثماراً في الاستقرار والتنمية، لا تكلفةً في الموازنة أو عبئاً مالياً. فالدول تُقاس بقدرتها على ترسيخ التوازن في محيطها الإقليمي، لا بمجرد حضورها فيه أو تصريحاتها. وما يُضخ اليوم في ميزانيةٍ شقيقة كاليمن، إنما يُرسّخ غداً معادلة استقرارٍ أوسع وأشمل، تتجاوز الرقم المالي وتتبقى في أثرها الإيجابي على حياة الناس واستقرار المنطقة.
