تحولات جذرية تعيد تشكيل الدور الأممي في الصحراء المغربية
تشهد المنطقة تحولات عميقة تعيد رسم أدوار المنظمات الدولية، حيث تتجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إغلاق مكاتبها في مدينة العيون كبرى مدن الصحراء المغربية، وكذلك في مخيمات تندوف جنوب غربي الجزائر، خلال الأيام القليلة المقبلة.
تفاصيل عملية الإغلاق التدريجي
أفاد مصدر مطلع أن مكتب المفوضية بمدينة العيون بات شبه فارغ، بعد إنهاء عقود عدد كبير من الموظفين، في سياق تنفيذ قرار الإغلاق التدريجي الذي جرى الإعلان عنه منتصف سنة 2025. هذا القرار الذي دخل حيز التنفيذ على مراحل شمل:
- تسريح موظفين محليين
- تقليص الطاقم العامل بمكتب الرباط
- توقيف برامج ميدانية استمرت لأكثر من عقدين
تأثيرات مباشرة على برامج بناء الثقة
ومن المرتقب أن يؤدي هذا الإغلاق إلى التوقف الكامل لـ "برنامج إجراءات بناء الثقة"، عبر الزيارات العائلية المتبادلة التي كانت تخصص للصحراويين المقيمين في مخيمات تندوف مع نظرائهم بالعيون والسمارة وبوجدور وباقي الأقاليم الصحراوية، والذي أطلقته المفوضية سنة 2004.
ورغم استمراره لسنوات طويلة، ظل البرنامج محدود النتائج، ولم يواكب التحولات السياسية التي عرفها الملف، كما لم ينجح في إحداث اختراق حقيقي في مسار التسوية.
الأسباب الكامنة وراء القرار
تبرر الأمم المتحدة قرار هذا الإغلاق إلى جملة من العوامل، في مقدمتها النقص الحاد في التمويل الذي تواجهه المفوضية دوليا، في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية وتعدد بؤر التوتر، ما فرض إعادة ترتيب أولويات التدخل.
غير أن قراءات سياسية ترى أن العامل المالي، على أهميته، لا يفسر وحده هذا التوجه. فوفق هذه القراءات، يعكس القرار تحولا أعمق في طبيعة مقاربة الأمم المتحدة لنزاع الصحراء، حيث بات التركيز منصبا على الحلول السياسية المستدامة، بدلا من الإبقاء على برامج إنسانية مؤقتة ارتبطت بسيناريوهات فقدت زخمها داخل المنتظم الدولي.
السياق الدولي المتغير
في سياق ذلك، ربط تقرير صادر عن معهد واشنطن للدراسات الاستراتيجية بين تقليص حضور مفوضية اللاجئين وتنامي الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، ما قلّص الحاجة إلى آليات "بناء الثقة" التي ارتبطت بمقاربات تجاوزها تطور الملف.
نحو واقع أممي جديد في المنطقة
وتتزامن هذه التطورات مع معطيات تفيد بتوجه بعثة "مينورسو" نحو تقليص وجودها الميداني، في إطار مراجعة شاملة للأدوات الأممية المعتمدة منذ عقود، الأمر الذي يضع ملف الصحراء أمام واقع سياسي وميداني جديد، يتميز بصعود الحل السياسي القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول الجذري يأتي انسجاما مع التحولات العميقة في التعاطي الدولي مع ملف الصحراء المغربية، ولا سيما في ظل المقاربة الأميركية الجديدة برعاية الأمم المتحدة، والدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتباره الإطار السياسي الأكثر واقعية لإحلال السلام في المنطقة.