العلاقات الأمريكية الإيرانية: صراع تاريخي يتجه نحو مفاوضات مصيرية
تدفع الحرب والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران نحو صفقة كبرى، يحاول كل طرف الخروج منها منتصرًا، فيما يبقى الثمن العربي والخليجي حاضرًا بقوة في هذه المعادلة المعقدة. تتأرجح العلاقات بين البلدين ما بين الحرب وعقدة ثيوسيديدس الأمنية، والمفاوضات التي تهدف للوصول إلى خيار الصفقة الكبرى كنتيجة للحرب الدائرة.
جذور تاريخية متشابكة: من التحالف إلى العداء
تعود العلاقات الأمريكية الإيرانية تاريخيًا إلى القرن الثامن عشر، مع إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1944، حيث اتخذت في البداية طابعًا تجاريًا ودبلوماسيًا تفاهميًا. ومن أبرز محطات هذه العلاقات العداء الرسمي بين إيران وبريطانيا بقيادة محمد مصدق، الحليف للولايات المتحدة، ثم الإطاحة بحكم مصدق بمساعدة الاستخبارات الأمريكية عام 1953 وعودة حكم الشاه. استمرت العلاقات طوال فترة حكم الشاه بالتحالف، ولعبت إيران دور أحد العمودين المتساندين في المنطقة.
ومن مفارقات هذه العلاقات مساهمة أمريكا في تزويد إيران بمفاعل طهران للأبحاث، وهو مفاعل نووي يعمل باليورانيوم المخصب بنسبة 93 بالمئة للأغراض العسكرية. لكن العلاقات دخلت منعطفًا تراجعيًا مع الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط حكم الشاه، وبداية حكم الملالي ورفع شعار تصدير الثورة والعدو الأكبر أمريكا، مما أدى إلى حالة من العداء والتوتر.
منعطفات حاسمة: من الرهائن إلى الاتفاق النووي
شهدت العلاقات أحداثًا بارزة مثل أزمة رهائن السفارة الأمريكية واحتجاز 444 عاملاً كرهائن في عهد الرئيس كارتر، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية عام 1980، والإفراج عن الرهائن في عهد الرئيس ريغان عام 1981. تلا ذلك إعلان إدارة الرئيس جورج بوش الابن إيران كمحور الشر عام 2002، ثم توقيع الاتفاق النووي عام 2015 في عهد الرئيس أوباما، مع أول اتصال هاتفي بعد 30 عامًا مع الرئيس حسن روحاني، مما أدخل العلاقات في حالة من الهدوء النسبي.
لكن المرحلة الحالية مع إدارة ترامب شهدت الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات وحصار، لتندلع حرب الـ12 يومًا عام 2025، حيث أعلنت أمريكا ضرب المفاعلات النووية، ثم حرب فبراير 2026 بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ووصلت ذروتها باغتيال الإمام الخميني وعدد من القادة، وتطورت الحرب بعدوان إيران على الدول العربية الخليجية.
مفاوضات إسلام آباد: البحث عن صفقة كبرى
دفعت هذه التطورات إلى وقف الحرب وهدنة للتفاوض في إسلام آباد، والتي انتهت دون إعلان عن وصول خيار الصفقة الكبرى، وتم تمديدها للاستمرار في المفاوضات تجنبًا لحرب شاملة. يسعى كل طرف لتحقيق صفقة كبرى تسمح له بالإعلان عن الانتصار، مع تجسيد المقترحات الأمريكية بنقاطها الـ15 التي تركز على تجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية، والتخلي عن وكلائها في المنطقة، ودمجها اقتصاديًا.
ترتكز هذه الصفقة الأمريكية على عناصر تشمل التأكيد على المصالح الأمريكية في الخليج، وتحالفها الاستراتيجي مع دول المنطقة، وضمان أمن إسرائيل، وعدم تهديد إيران لهذه الثوابت. بالمقابل، تقدم إيران ورقتها التفاوضية بنقاطها الـ10، التي تؤكد على الحفاظ على نظامها السياسي، والاحتفاظ بحقها في القدرات النووية السلمية والصاروخية، والاعتراف بمصالحها ومناطق نفوذها.
عوامل إقليمية ودولية مؤثرة
تساهم عوامل أخرى في تشكيل عناصر الصفقة الكبرى، مثل ممارسة إيران لورقة مضيق هرمز لفرض سيادتها، مما قد يحقق لها عناصر قوية في المفاوضات. كما أن دول الخليج العربي ليست من مصلحتها الانزلاق في حرب ليست طرفًا فيها، بل عليها أن تكون طرفًا فاعلاً في الصفقة. بالإضافة إلى ذلك، الموقف الصيني والروسي يلعب دورًا، حيث أن الصين لن تسمح بسقوط النظام الإيراني لحماية مشاريعها الاقتصادية مثل طريق الحرير.
يبدو أن الطرفين أقرب لمقاربة تحقيق الصفقة الكبرى، التي تحفظ ماء وجه كل منهما وتضمن له الخروج منتصرًا، لكن يبقى أن خيار الصفقة الكبرى قد يكون على حساب الصفقة العربية والخليجية الكبرى، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار الإقليمي.



