بلغ موسم الحج ذروته الروحية يوم الثلاثاء، حيث بدأ أكثر من 1.6 مليون حاج أداء الركن الأعظم من مناسك الحج بالوقوف على صعيد عرفة المبارك، بعد أن صعدوا إلى السهول الشاسعة منذ ساعات الصباح الباكر.
خطبة عرفة في مسجد نمرة
ألقى الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي، خطبة عرفة في مسجد نمرة الكبير، مستلهماً خطبة الوداع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وأكد الشيخ الحذيفي في خطبته أن الحج فريضة مقدسة تظهر فيها أسمى معاني الألفة والوحدة والتعاون والتكافل بين المسلمين. وقال: "مع أداء الحجاج لمناسكهم، تتلاشى الفروق اللغوية والعرقية والجنسية، ويقفون معاً كإخوة متحابين في الله. من خلال هذه الرحلة المباركة، يشهدون فوائد روحية ودنيوية لا تعد، ويشاركون في الأضاحي، ويجسدون أرقى الفضائل بالعمل الصالح والصدق في القول والإتقان في الفعل".
مبادرة ترجمة خطبة عرفة
حققت مبادرة ترجمة خطبة عرفة السعودية وصولاً إلى مليار مستمع حول العالم، عبر بث مباشر مترجم إلى 35 لغة. وبعد الخطبة، أمّ الشيخ الحذيفي المصلين، وأدى صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. حضر الصلاة كل من رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، والرئيس الألباني بيرام بيغاي، ونائب أمير مكة المكرمة ونائب رئيس لجنة الحج المركزية الأمير سعود بن مشعل، والمفتي العام للسعودية رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ صالح الفوزان، ووزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ.
الوقوف بعرفة
انضم الحجاج إلى الصلاة في مسجد نمرة وحوله، ثم بدأوا في أداء الوقوف بعرفة، الذي يعد أحد أركان الحج الأربعة، ويبدأ بعد صلاة الظهر. وسيبقى الحجاج في الدعاء والابتهال حتى غروب الشمس، طالبين المغفرة ورضوان الله. وشوهد العديد من المصلين وهم يحملون المظلات لحماية أنفسهم من أشعة الشمس الحارقة، بينما يرددون التلبية ويتلون آيات من القرآن الكريم بعد صعودهم إلى جبل الرحمة في عرفة.
أجواء روحانية
تمتد سهول عرفة الشاسعة على مساحة 10.4 كيلومتر مربع، ولا تسكن إلا في يوم عرفة. ويردد الحجاج "لبيك اللهم لبيك" منذ الصباح الباكر وهم يتوافدون إلى مسجد نمرة، الواقع على بعد 22 كيلومتراً جنوب شرق المسجد الحرام في مكة المكرمة، بعد قضاء ليلة التأمل والتفكر في مشعر منى. الحجاج الرجال يرتدون ملابس بيضاء غير مخيطة تشبه بحراً أبيض من البشر، بينما ترتدي النساء العباءات السوداء، ويمضون الآن أهم ساعات رحلتهم الروحية. بعد قضاء يوم وليلة كاملين في منى بالصلاة والتأمل في أول أيام الحج (يوم التروية) يوم الاثنين، توجه الحجاج إلى عرفة على متن قطار المشاعر والحافلات والمركبات الأخرى. امتلأت جميع الطرق المؤدية إلى عرفة بالمصلين، بينما حلقت طائرات الهليكوبتر في السماء، وتطوع المتطوعون بتوزيع زجاجات المياه.
الاستعدادات السعودية
حشدت السلطات السعودية جميع مواردها وإمكانياتها التي جعلت حركة الحجاج من منى إلى عرفة نجاحاً كبيراً. وتحت مراقبة أمنية دقيقة ومتعددة القطاعات، ملأ المؤمنون طرق العبور بأصوات التلبية والدعاء الحار. وأدار رجال إنفاذ القانون والفرق الميدانية تدفقات الحشود على طول طرق المركبات والمشاة، بينما كانت شبكات طبية وإسعافية ولوجستية شاملة على أهبة الاستعداد لدعم الحجاج. تحت درجات الحرارة المرتفعة، يحمل معظم الحجاج مظلات. ونشرت محطات تبريد على الطرق المؤدية إلى عرفة وفي المناطق المحيطة بها لرش الحجاج بالمياه للمساعدة في مقاومة الحر. اتخذ الحجاج أماكنهم في مسجد نمرة الذي تبلغ مساحته 110 آلاف متر مربع وساحاته التي تبلغ 8000 متر مربع قبل بدء خطبة يوم عرفة. وشهد المسجد وساحاته حركة سلسة للحجاج، بفضل المراقبة الميدانية من قبل الجهات المختصة التي حشدت جميع القدرات التنظيمية والخدمية لضمان راحة الحجاج وتسهيل أداء المناسك في بيئة آمنة.
يوم عرفة المبارك
في هذا اليوم المبارك، ينشغل الحجاج بالتلبية وذكر الله والاستغفار والتسبيح. يتوجهون بخشوع وإخلاص إلى الله، ويقضون اليوم في الدعاء لأنفسهم وعائلاتهم وأطفالهم وجميع إخوانهم المسلمين. وتقف جموع الحجاج كتفاً بكتف وقدمًا بقدم في يوم عاطفي من الدعاء في وادي الصحراء. سيبقى الحجاج في عرفة حتى حلول الظلام في تأمل عميق ودعاء وتلاوة للقرآن الكريم. بعد إتمام ركن الوقوف بعرفة عند غروب الشمس، ينتقل الحجاج بعد ذلك إلى مزدلفة بهدوء ووقار، ويرددون التلبية كثيراً. سيصلون المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين في وقت العشاء بعد الوصول إلى مزدلفة، ويبيتون هناك في الدعاء.
تضامن المسلمين
يصوم المسلمون في معظم أنحاء العالم يوم الثلاثاء تضامناً مع الحجاج، حيث إن صيام يوم عرفة سنة عظيمة لمن لم يحج. وفي سياق متصل، أجرى وزير الحج والعمرة توفيق الربيان جولات ميدانية على مخيمات الحجاج المحليين والدوليين في منى مساء الاثنين. وخلال الجولة، قيّم الوزير جاهزية خدمات الإقامة والإطعام والنظافة والصيانة. والتقى الربيان بالمشرفين الميدانيين والفرق الميدانية لمراجعة تقارير التقدم والتنسيق متعدد الجهات، مؤكداً على الحاجة الماسة لتحقيق أقصى كفاءة لوجستية وتكامل سلس لضمان أعلى مستويات الراحة والسلامة للحجاج.



