لغز التوحد الجيني: رحلة من الأساطير إلى الحقائق العلمية
تحيي الأمم المتحدة في الثاني من أبريل اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، تحت شعار "التوحد والإنسانية – لكل حياة قيمة"، مؤكدةً على كرامة وقيمة جميع الأشخاص المصابين بالتوحد كجزء من مستقبلنا البشري المشترك. هذا اليوم يسلط الضوء على التقدم الملحوظ في فهم هذا الطيف المعقد، حيث انتقلت المعرفة من نظريات قديمة خاطئة إلى اكتشافات جينية ثورية.
من "الأم الثلاجة" إلى الثورة الوراثية
كان الاعتقاد السائد في الماضي، تحديداً حتى سبعينيات القرن الماضي، أن التوحد هو نتاج التربية السيئة، حيث صاغ الطبيب النفسي النمساوي ليو كانر نظرية "الأم الثلاجة" المثيرة للجدل، التي اقترحت أن التوحد ينشأ بسبب صدمة تحدث خلال الطفولة المبكرة بسبب أمهات "باردات" غير مباليات. يقول دانيال جيشويند، أستاذ علم الأعصاب والوراثة في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجلوس، إن هذا الاعتقاد يُصنف الآن، وبصورة محقة، على أنه مضر وخاطئ للغاية، لكن الأمر استغرق ما يقرب من ثلاثة عقود لدحض نظرية كانر.
لم تتشكل صورة أدق وأوضح إلّا بحلول عام 1977، حين أجرى طبيبان نفسيان دراسة رائدة أظهرت أن التوحد غالباً ما يكون موجوداً بين التوائم المتطابقة. كانت هذه الدراسة هي المرة الأولى التي يُحدد فيها عامل وراثي للتوحد، حيث أظهرت أنه عندما يكون أحد التوأمين المتطابقين مصاباً بالتوحد، يزيد احتمال أن يكون التوأم الآخر مصاباً كذلك بنسبة تفوق 90 في المئة، مقارنة بنسبة 34 في المئة للتوائم غير المتطابقة، وهي نسب أعلى بكثير من معدل الإصابة المعتاد بين عموم الناس البالغ حوالي 2.8 في المئة.
الكشف عن الطفرات الجينية المؤثرة
بعد دراسة التوائم، استغرق الأمر عدة عقود أخرى لتصبح التفاعلات الكاملة بين التوحد والجين البشري واضحة. بين أي فردين، تبلغ نسبة التباين الجيني حوالي 0.1 في المئة، ويقول توماس بورجيرون، أستاذ علم الأعصاب في معهد باستور بباريس، إن هذه الاختلافات قد تكون بلا تأثير أو ذات تأثير ضئيل أو بالغ القوة. تم تحديد اختلافات "فائقة القوة" فيما يصل إلى 20 في المئة من جميع حالات التوحد، حيث تُعد طفرة واحدة في جين واحد مسؤولة بشكل كبير عن إحداث اختلافات حرجة في النمو العصبي.
حدد العلماء حتى الآن ما لا يقل عن 100 جين يمكن أن تحدث فيها هذه الطفرات، وكان بورجيرون نفسه من أوائل من توصلوا إلى إحدى هذه الاكتشافات في مارس 2003، حيث حدد طفرتين جينيتين على صلة بالتوحد تؤثران على البروتينات المشاركة في تكوين المشابك العصبية. بعض هذه الطفرات تُسمى بـ "المتغيرات الجديدة"، أي إنها تحدث بالصدفة خلال نمو الجنين، وليست موجودة في الحمض النووي لدم الأم أو الأب، بينما قد تنتقل أخرى من أحد الوالدين.
العوامل البيئية والتفاعلات المعقدة
بالإضافة إلى العوامل الوراثية، هناك اعتقاد بأن عوامل بيئية تلعب دوراً في تطور التوحد، حيث حتى في حالة التوائم المتطابقة، حين يُجرى تشخيص إصابة أحدهما، فلن يُشخَّص الآخر بالإصابة بها في 10 في المئة من الحالات. تاريخياً، أدت محاولة تحديد العوامل البيئية المسببة للتوحد إلى ظهور معتقدات علمية زائفة، مثل الفكرة المرفوضة حالياً والتي تُفيد باحتمال تورط بعض اللقاحات.
وفقاً لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، فإن الأسباب غير الوراثية المحتملة للتوحد تشمل تعرض الأم قبل الولادة لتلوث الهواء وبعض المبيدات الحشرية، والولادة المبكرة جداً، والولادة المتعسرة التي تؤدي إلى نقص الأكسجين في دماغ الطفل، إلى جانب عوامل أخرى.
التنوع العصبي والاختلافات بين الجنسين
خلال نصف القرن الماضي، أظهرت الدراسات الجينية أن التنوع العصبي لدى غالبية المصابين بالتوحد، ينشأ من خلال التأثيرات التراكمية لمئات أو حتى آلاف المتغيرات الجينية الشائعة نسبياً التي ورثوها عن كلا الوالدين. هذه المتغيرات الجينية موجودة لدى جميع الأفراد السليمين والمتباينين عصبياً، وتكون المساهمة الفردية لأيٍّ من هذه الجينات في النمو العصبي ضئيلة، ولكن حين تجتمع مع بعضها، يكون لها تأثير كبير على بنية الدماغ.
يعمل الباحثون حالياً على مشاريع لفهم سبب انتشار التوحد بشكل أكبر بين الرجال، ولماذا يُعتقد أن النساء المصابات بالتوحد أقدر على إخفاء سماتهن العصبية المتنوعة مقارنة بالرجال المصابين به. يقول جيشويند إن الاختلافات في تطور الدماغ ووظائفه لدى الذكور والإناث قد تجعل الرجال أكثر عرضة للإصابة بالتوحد، كما تجعل النساء محميات من القابلية الوراثية للإصابة به إلى حد ما.
التحديات الأخلاقية والمستقبل العلاجي
على الرغم من التقدم في الأبحاث الجينية، فإن مفهوم البحث الجيني لا يُنظر إليه بإيجابية شاملة في مجتمع التوحد، حيث يعد التوحد طيفاً واسعاً يتراوح بين أولئك الذين يعانون من إعاقات شديدة وآخرين يحتاجون دعماً بدرجة أقل. أثار تجميع البيانات الجينية مخاوف مستمرة لدى بعض المصابين بالتوحد وأسرهم وباحثين أكاديميين بشأن كيفية استخدامها، خاصة في سياق فحوصات ما قبل الولادة.
من ناحية أخرى، تتجه الأبحاث نحو تطوير علاجات جديدة، مثل استخدام تقنية "كريسبر" لتعديل الحمض النووي، أو تعزيز النسخ غير المصابة من الجينات في حالات التوحد العميق. تم مؤخراً منح موافقة لإجراء تجربة سريرية لتقديم العلاج الجيني للأطفال المصابين بالتوحد الذين يعانون من طفرات محددة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتدخل المبكر.
في الختام، يؤكد الخبراء على ضرورة إدراك التنوع العصبي بشكل أفضل، والحد من الوصمة المرتبطة بالتوحد، مع مراعاة احتياجات كل فرد على حدة، لضمان أن يتمكن الأفراد الذين تعمل أجسادهم وعقولهم بشكل مختلف من تحقيق النجاح في مجتمعاتنا.



