كشفت دراسة أمريكية جديدة، نشرتها دورية "Cell Metabolism"، عن آلية طبيعية يستخدمها الجسم بوصفها "زر إيقاف" للالتهاب المزمن، عبر بروتين يُعرف باسم SIRT2، في اكتشاف قد يمهّد لعلاجات جذرية لأمراض مزمنة مثل السكري من النوع الثاني، والزهايمر، وباركنسون، وأمراض القلب، والتهاب المفاصل، وبعض أنواع السرطان.
الالتهاب: سلاح مفيد قد يتحول إلى خطر
أوضح باحثون من جامعة كاليفورنيا، وفقاً لتقرير موقع Knowridge، أن الالتهاب هو استجابة دفاعية طبيعية يستخدمها الجسم لمحاربة العدوى وإصلاح الأنسجة التالفة. غير أن استمرار نشاط الجهاز المناعي بعد زوال الخطر يُفضي إلى ما يُعرف بالالتهاب المزمن، وهو عامل رئيسي في تلف الأنسجة وظهور أمراض الشيخوخة. وأشار الباحثون إلى أن الالتهاب المزمن يرتبط بالعديد من الأمراض المزمنة التي تصيب ملايين الأشخاص حول العالم.
اكتشاف "مفتاح الإيقاف" الطبيعي
ركّزت الدراسة على مركب مناعي يُعرف باسم NLRP3 inflammasome، الذي يعمل كجهاز إنذار داخل الخلايا المناعية لتنشيط الالتهاب عند اكتشاف العدوى أو الإصابة. واكتشف الفريق البحثي أن هذا النظام يمكن تعطيله عبر عملية إزالة الأسيتيل (Deacetylation)، التي ينفّذها بروتين يُدعى SIRT2، والذي يعمل بمثابة "مفتاح إيقاف" يمنع استمرار الالتهاب بعد انتهاء الحاجة إليه. ووفقاً للباحثين، فإن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على آلية طبيعية دقيقة يمكن استهدافها دوائياً.
نتائج واعدة في التجارب على الفئران
أظهرت التجارب على الفئران أن غياب بروتين SIRT2 يؤدي إلى ارتفاع مستويات الالتهاب مع التقدم في العمر، وزيادة مقاومة الإنسولين، وهي خطوة مبكرة نحو الإصابة بالسكري من النوع الثاني. كما بيّنت تجربة أخرى أن استبدال الخلايا الجذعية الدموية بخلايا تحمل نسخة غير نشطة من نظام NLRP3 أدى، خلال 6 أسابيع فقط، إلى تحسّن ملحوظ في مقاومة الإنسولين، مما يشير إلى إمكانية عكس بعض المشكلات الصحية المرتبطة بالشيخوخة لا مجرد إبطاء تطورها. وأكد الباحثون أن هذه النتائج تعزز فهم العلاقة بين الالتهاب المزمن والأمراض المرتبطة بالعمر.
آفاق علاجية وحدود الدراسة
أكد الباحثون أن هذه النتائج قد تمهّد لتطوير أدوية تستهدف الالتهاب المزمن مباشرةً قبل أن يتسبب في تلف دائم للأعضاء، بدلاً من الاكتفاء بعلاج الأعراض. وشدّدت الدراسة في الوقت ذاته على أهمية العادات الصحية، كممارسة النشاط البدني، والنوم الكافي، والحفاظ على وزن صحي، والإقلاع عن التدخين، واتباع نظام غذائي غني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، للمساعدة في خفض مستويات الالتهاب المزمن. وأوضح الفريق البحثي أن النتائج لا تزال في مرحلة مبكرة، إذ استندت التجارب أساساً إلى نماذج حيوانية، مؤكداً الحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية قبل اعتماد علاجات تستهدف نظام NLRP3 أو بروتين SIRT2 لدى البشر. ووصف الباحثون الاكتشاف بأنه "خطوة مهمة نحو فهم أفضل لكيفية نشوء الالتهاب المزمن وإمكانية السيطرة عليه دون التأثير في قدرة الجهاز المناعي على مكافحة العدوى".



