تناول الطعام بذكاء: توقيت وسرعة وتركيبة الطعام تحدد امتصاص السعرات الحرارية
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الاعتماد على حساب السعرات الحرارية وحده قد لا يكون الطريقة الأكثر فعالية للحفاظ على وزن صحي، بل يجب التركيز على تناول الطعام بذكاء من خلال مراعاة توقيت الوجبات وسرعة الأكل وتركيبة الطعام، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الفردية الناتجة عن الميكروبيوم المعوي.
توقيت الوجبات: الساعة البيولوجية وتأثيرها على الهضم
أظهرت دراسات متعددة أن توقيت تناول الطعام يلعب دوراً حاسماً في كفاءة الهضم وامتصاص العناصر الغذائية. على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن النساء اللواتي يعانين من زيادة الوزن فقدن وزناً أكبر عندما تناولن معظم سعراتهن الحرارية في وجبة الإفطار، مقارنة بمن تناولنها في المساء، رغم تساوي إجمالي السعرات. كما أشارت دراسة بريطانية صغيرة إلى أن تقليص الفترة الزمنية بين أول وآخر وجبة في اليوم قد يؤدي إلى تقليل إجمالي السعرات المتناولة.
يعتقد العلماء أن هذا يرتبط بإيقاعات الساعة البيولوجية اليومية، وهو مجال بحثي ناشئ يُعرف باسم "التغذية الزمنية". بالإضافة إلى ذلك، وجد باحثون في إسبانيا أن الأشخاص الذين يتناولون الغداء مبكراً يفقدون الوزن أو يحافظون عليه بسهولة أكبر مقارنة بمن يتناولونه بعد الساعة الثالثة مساءً.
سرعة تناول الطعام: تأثيرها على الشهية والامتصاص
لا يقتصر الأمر على التوقيت، بل تشير الأدلة إلى أن سرعة تناول الطعام تؤثر بشكل كبير على كمية السعرات الحرارية المستهلكة. فالأشخاص الذين يتناولون وجباتهم بسرعة يميلون إلى الأكل أكثر، مما يزيد من استهلاك السعرات. في إحدى الدراسات، أدى الأكل البطيء إلى زيادة إفراز هرمونات الأمعاء التي تنظم الشهية، مثل هرمون GLP-1، الذي تستخدمه أدوية إنقاص الوزن الحديثة.
كما أن إبطاء وتيرة الأكل يساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، حيث أظهرت دراسة أن المشاركين الذين تناولوا الطعام ببطء كانوا أكثر قدرة على تذكر ما تناولوه واستهلكوا كميات أقل لاحقاً. وتشير سارة بيري، أستاذة التغذية في كلية كينغز في لندن، إلى أن تغيير بنية الطعام وقوامه يؤثر في سرعة هضمه وامتصاصه، مما قد يحسّن استجابة الجسم للسكر في الدم ويقلل من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
تركيبة الطعام: كيف تؤثر على امتصاص السعرات؟
عند تناول الطعام، لا يعتمد عدد السعرات التي يمتصها الجسم فقط على الكمية، بل أيضاً على تركيبة الطعام. على سبيل المثال، حفنة من اللوز تحتوي على نحو 160 إلى 170 سعرة حرارية، لكن مقدار ما يمتصه الجسم منها يعتمد على طريقة تناوله. فالمضغ الجيد يزيد من امتصاص السعرات، بينما يؤدي المضغ الجزئي إلى امتصاص أقل، كما أن الجسم يستخلص سعرات أكثر من اللوز المطحون مقارنة باللوز الكامل.
توضح بيري أن ذلك يفسر سبب استهلاك سعرات حرارية أعلى عند تناول الأطعمة فائقة المعالجة، مما قد يؤدي إلى زيادة الوزن. إذ إن تغيير تركيب الطعام وقوامه يؤثر في سرعة امتصاصه داخل الجسم، ومكان حدوث ذلك، وكيفية امتصاص العناصر الغذائية.
اختلاف الميكروبيوم: العامل الفردي في استجابة الجسم للطعام
من المهم التذكير بأن الأبحاث تشير إلى وجود اختلافات فردية كبيرة في كيفية تعامل أجسامنا مع الطعام. ففي عام 2015، اكتشف باحثون أن مستويات السكر في الدم تختلف بشكل واسع بين الأشخاص حتى عند تناول الطعام نفسه. ويرى العلماء أن ذلك قد يرتبط بالكائنات الدقيقة التي تعيش في أمعائنا، والمعروفة باسم "الميكروبيوم"، والتي تختلف أنواعها وتوازنها من شخص لآخر.
حتى التوائم المتطابقون قد تختلف استجاباتهم الأيضية للطعام نفسه، كما أظهرت دراسة حديثة شملت أكثر من ألف توأم وأشخاص غير مرتبطين. وتشير هذه الاختلافات إلى إمكانية تطوير أنظمة تغذية شخصية مستقبلاً، وفقاً للأبحاث.
مع ذلك، توضح بيري أن هناك مبادئ عامة تنطبق على الجميع، مثل زيادة تناول الألياف، وتقليل السكر والملح والدهون. لكن إدراك اختلاف استجاباتنا الغذائية يبرز أهمية فهم دور ميكروبيوم الأمعاء، وضرورة تناول أطعمة تغذي هذه الكائنات المفيدة. ولتحقيق ذلك، يُنصح باتباع نظام غذائي متنوع يشمل مجموعة واسعة من الفواكه والخضروات الصحية، مع الحد من استهلاك الوجبات الخفيفة غير الصحية.



