في كل جامعة تُرفع الشعارات عن جودة التعليم، وتمكين الشباب، وصناعة المستقبل، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة هو: أين يقف الطالب من كل ذلك؟ الطالب هو سبب وجود الجامعة أصلًا، وهو المبرر الأخلاقي والمهني والوطني لكل مبنى وقاعة ومكتب وميزانية. ومع ذلك، يشعر كثير من الطلاب أنهم الحلقة الأضعف في المنظومة، وأن أصواتهم لا تُسمع.
حقوق الطالب المجهولة
لماذا لا نُعلّم الطالب حقوقه منذ يومه الأول في الجامعة؟ ولماذا نحفظه اللوائح المتعلقة بالغياب والاختبارات والعقوبات، بينما لا نعرّفه بالقدر نفسه بحقوقه الأكاديمية والإدارية؟ لماذا يعرف ما عليه أكثر مما يعرف ما له؟ إن الطالب الذي لا يعرف حقوقه لن يطالب بها، والطالب الذي يطالب بها دون معرفة دقيقة قد يُتهم بالمشاغبة أو سوء الأدب أو الخروج عن النص، بينما الحقيقة أن المطالبة بالحق ليست تمردًا، وإنما جزء من البيئة التعليمية السليمة التي يفترض أن تربي شخصية مستقلة وقادرة على الحوار.
ومن المؤسف أن بعض الطلاب يشعرون بأن مجرد مناقشة عضو هيئة التدريس قد تُفسر على أنها تحدٍ شخصي، وأن السؤال الإضافي أو الاعتراض العلمي قد ينعكس على العلاقة الأكاديمية أو حتى على التقييم. وهنا تتحول الجامعة من بيئة للحوار إلى بيئة للخوف، ومن مساحة للتفكير إلى مساحة للتلقي الصامت. كيف نطلب من الطالب أن يكون باحثًا ومبدعًا وناقدًا وهو يتعلم منذ سنواته الأولى أن الصمت أكثر أمانًا من السؤال؟
عوائق الوصول إلى المسؤولين
ثم تأتي المعضلة الأخرى؛ الوصول إلى المسؤول. فكثير من الطلاب يعتقدون أن مقابلة العميد أو الوكيل أو المسؤول الأكاديمي مهمة شبه مستحيلة، ليس لأن المسؤول يرفض اللقاء بالضرورة، ولكن لأن هناك طبقات من الإجراءات والحواجز الإدارية تجعل الطالب يستسلم قبل أن يصل. وبعض موظفي مكاتب القيادات -للأسف- تتقن فن تقليل فرص اللقاء أكثر مما تتقن تسهيله، وكأن حماية المسؤول من الطالب أهم من خدمة الطالب نفسها.
والسؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع: لماذا لا تتحرك بعض المشكلات إلا عندما تتحول إلى «ترند»؟ ولماذا يحتاج الطالب أحيانًا إلى مقطع مصور أو قضية متداولة حتى يجد من يسمعه؟ أليس من المفترض أن تكون قنوات الاستماع المؤسسية أكثر فاعلية من ضجيج وسائل التواصل؟ الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن كل شيء في الجامعة وُجد لأجل الطالب. المباني لأجله، والأنظمة لأجله، وأعضاء هيئة التدريس لأجله، والقيادات لأجله. فإذا أصبح الطالب يشعر أنه آخر من يُستشار وأول من يتحمل النتائج، فهناك خلل يستحق المراجعة.
القبول الجامعي: سباق أرقام أم بحث عن الشغف؟
وللأسف، كثير من الطلاب لا يختارون الكلية التي يحلمون بها، ولا التخصص الذي يرغبونه، بل تقودهم الأرقام والنسب والفرص المتاحة. ثم قد يجد أحدهم نفسه بعد سنوات من الجهد أمام معدل تأثر بمادة واحدة، أو تجربة تعليمية ضعيفة، أو عضو هيئة تدريس لم يقدم ما اؤتمن عليه كما ينبغي. وحينها لا يخسر درجة فقط، بل قد يخسر مسارًا مهنيًا كاملًا كان يحلم به. لذا متى يأتي اليوم الذي يكون فيه القبول الجامعي بحثًا عن الشغف والموهبة والاستعداد الحقيقي، لا مجرد سباق أرقام ونسب مئوية؟ متى ندرك أن بعض العقول خُلقت للهندسة وللتقنية ولو عثرت في مادة لا تمت إليها بصلة، وأن بعض المبدعين كان يمكن أن يصبحوا علماء أو أطباء أو مهندسين لولا أن رقمًا واحدًا أغلق في وجوههم باب العمر كله؟
دور الأستاذ الجامعي الحقيقي
ومتى يعود الأستاذ الجامعي إلى دوره الأجمل؟ دور المعلم الذي يتبنى طلابه، ويكتشف مواهبهم، ويفتح لهم الأبواب، ويمنحهم الثقة، ويأخذ بأيديهم نحو النجاح. فالعالم كله يتذكر الأستاذ الذي صنع أثرًا في حياة طلابه أكثر مما يتذكر الأستاذ الذي وزع الدرجات والعقوبات. الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، بل مصنع للإنسان. وأعظم ما يمكن أن يقدمه الدكتور لطلابه ليس محاضرة يحفظونها، بل إيمانًا بقدراتهم حين يشكون في أنفسهم، وفرصة حين تضيق الفرص، ونصيحة حين تتعثر الخطوات.
إن الطالب لا يحتاج إلى من يراقب أخطاءه بقدر حاجته إلى من يرى إمكاناته. ولا يحتاج إلى من يذكّره بعثراته بقدر حاجته إلى من يفتح أمامه نافذة للأمل. فكم من طالب تغيرت حياته لأن أستاذًا آمن به، وكم من موهبة انطفأت لأن أحدًا لم يلتفت إليها. إن إعادة الطالب إلى مكانه الطبيعي لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى ثقافة جديدة. ثقافة تؤمن أن الطالب شريك لا متلقٍ، وأن الاستماع إليه ليس مجاملة إنما ضرورة، وأن الحوار معه ليس تنازلًا بقدر ما هو علامة نضج مؤسسي.
غياب الطالب عن صناعة القرار
إذا كانت الجامعات ومجلس شؤون الجامعات يؤمن فعلًا بأن الطالب هو محور العملية التعليمية، فلماذا يغيب عن طاولات صناعة القرار؟ لماذا تُناقش الخطط الدراسية، وتُراجع البرامج الأكاديمية، وتُصاغ السياسات التي تمس حياته اليومية دون أن يكون له فيها صوت حقيقي؟ إن تمثيل الطلاب لا ينبغي أن يكون نشاطًا شكليًا أو صورةً تذكارية في مناسبة سنوية، بل حضورًا مؤسسيًا مؤثرًا داخل مجالس الجامعات والكليات والأقسام العلمية. فالطالب هو الأكثر التصاقًا بالواقع الأكاديمي، والأقدر على وصف التحديات التي يعيشها يوميًا، وهو المستفيد الأول من القرارات والمتضرر الأول من أخطائها.
نحتاج إلى مقاعد مخصصة للطلاب في المجالس المختلفة، وإلى ممثلين منتخبين ينقلون آراء زملائهم، وإلى اجتماعات دورية تُستمع فيها أصوات الطلاب قبل صدور القرارات لا بعدها. كما نحتاج إلى أن يضاعف مجلس شؤون الجامعة من الحضور الفعلي للطلاب، لا الحضور الرمزي الذي لا يغيّر شيئًا في الواقع. فالجامعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تتحدث عن الطالب فقط، بل لأنها تسمح له بالمشاركة في رسم مستقبلها. والطالب الذي يُشارك في القرار يصبح أكثر انتماءً للمؤسسة وأكثر حرصًا على نجاحها، بينما الطالب الذي يُقصى عن كل شيء يشعر أنه مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليه من أعلى.
الجامعة مجتمع أكاديمي متكامل
إن الجامعة ليست ملكًا للإدارة، ولا لأعضاء هيئة التدريس، ولا للمجالس واللجان وحدها؛ إنها مجتمع أكاديمي متكامل، والطالب أكبر مكوناته وأهمها. ومن غير المنطقي أن يكون الصوت الأكثر تأثرًا بالقرار هو الأقل حضورًا عند صناعته. ربما آن الأوان أن ننتقل من شعار «الطالب أولًا» إلى مرحلة أكثر صدقًا تقول: «لا قرار يخص الطالب دون أن يكون للطالب مقعد على الطاولة». ولنتذكر أن الجامعات العظيمة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بحجم ميزانياتها، ولكن بعدد الطلاب الذين وجدوا فيها من يؤمن بهم قبل أن يؤمنوا بأنفسهم.



