دور وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية الرئيسي هو تنظيم سوق العمل لاستدامته من حيث زيادة فرص منافسة المواطن ورفع نسبة مساهمته في سوق العمل، وضمان حقوق كل الأطراف لأن ذلك من أساسيات دعم نمو الاقتصاد وتحقيق مستهدفات التنمية وغيرها من الأهداف والأدوار المنوطة بالوزارة. وقد اتبعت لرفع نسبة تشغيل المواطنين في أكبر اقتصاد عربي عدة إجراءات من أهمها التوطين الموجه، أي رفع نسب المواطنين في مهن وتخصصات مناسبة من حيث المؤهلات والدخل، بعد أن كانت تتبع نسبة عامة ترتفع تدريجياً من حجم كل منشأة. لكن المنهجية القديمة كانت غير فعالة نظراً لأن أغلب الوظائف، وبما يزيد على 70 بالمائة منها، كانت تتطلب مؤهلات متدنية ودخلاً منخفضاً جداً، أي عمالة عادية. لذلك كان الاتجاه الجديد للتركيز على المهن الجيدة والتي يتوفر مؤهلون لها من المواطنين هي الطريقة الأكثر جدوى، وهو ما أدى لتحقيق نتائج ممتازة.
نتائج التوطين منذ رؤية 2030
منذ اعتماد رؤية 2030 قبل قرابة عشرة أعوام، تراجعت نسبة البطالة من حوالي 12 إلى 7 بالمائة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يدخل سوق العمل سنوياً أكثر من 150 ألف طالب عمل جاد، أي باحث عنه كرقم متوسط. وهذا يعني أن انخفاض البطالة شمل من كان يبحث عن عمل والداخلين الجدد للسوق. ولعب الإحلال للعمالة الوطنية مكان الوافدة دوراً مهماً في خفض هذه النسب، وكذلك توسع الاقتصاد. فصندوق الاستثمارات العامة الذي ضخ استثمارات بحوالي 750 مليار ريال منذ بداية الرؤية ساهم في توليد مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بالتأكيد جزء كبير منها للمواطنين، ونقصد ذات الدخل الجيد، وتتطلب تأهيلاً من حملة الشهادات الجامعية والمهنية، وذلك خلال هذه المدة منذ تغيير استراتيجيته، إضافة للإنفاق الحكومي بالميزانيات العامة على المشاريع العامة، وكذلك توسعات القطاع الخاص بالفترة الماضية.
حدود سياسة الإحلال
ولكن هل سياسة الإحلال كافية لمعالجة خفض نسبة البطالة والحفاظ على مستوى متدنٍ لها، خصوصاً أن المستهدف أصبح يقارب 4 بالمائة بدلاً من 7 الذي تحقق قبل اكتمال أهداف الرؤية بخمسة أعوام؟ يمكن نظرياً رفع نسب التوطين من الوظائف القائمة بالإحلال للحد الأقصى، أي نسبة تقارب من 70 إلى 100 بالمائة خلال مدة تتراوح من 3 إلى 5 أعوام، على افتراض استمرار الحفاظ على حجم تشغيل هذه الأعمال والتي قد تطور من تقنياتها وتستغني عن جزء من عمالتها أو يضعف نشاطها فتتقلص حاجتها للموظفين. ولذلك يبقى الاعتماد على الإحلال وحده طريقة غير مستدامة، فماذا بعد ذلك الاكتمال بالإحلال إذا لم تزدد فرص العمل بينما سيدخل السوق سنوياً ما لا يقل عن 150 ألف طالب عمل؟
الحل الحقيقي: توليد فرص العمل
فالحل الحقيقي هو ما تعمل عليه خطط الرؤية من خلال برامجها واستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة الجديدة التي أطلقت قبل نحو أسبوعين على توليد فرص عمل بمختلف القطاعات، وهو دور تتشارك فيه الجهات المعنية بكل قطاع مثل العقار والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والقطاع المالي والزراعة والصحة والتعليم وغيرها. فهي المسؤولة عن توليد الوظائف وبما يتكامل مع خطط التأهيل والتدريب لرأس المال البشري لتكون المخرجات تلبي متطلبات سوق العمل. أما الحل الآخر فهو زيادة دعم رواد الأعمال والمشاريع المتناهية الصغر والأكبر منها، فهي مولد كبير لفرص العمل، وكذلك تزيد بالطاقة الاستيعابية للاقتصاد ورفع مساهمة المحتوى المحلي بالصناعة والخدمات مع تعزيز دور التمويل من الصناديق الحكومية، إضافة لدور كبير للسوق المالية في تمويل القطاع الخاص لدعم خطط التوسع في نشاطه.
لا يمكن من خلال الإحلال فقط خفض نسب البطالة ومعالجة الانكشاف المهني، وكذلك التستر التجاري أو زيادة مشاركة العمالة الوطنية في الاقتصاد، وهو ما يفهم من طريقة تنظيم سوق العمل التي تتبعها وزارة الموارد البشرية، أي أنها تضع الأساسيات التي تصنع استدامة التوظيف لتواكب نمو الاقتصاد. فوضع نسب للتوطين ورفعها دورياً هو عامل مهم، ويأتي بنتائج أكبر مع توسع توليد فرص العمل والاستثمار لأنه يعزز من استدامة التوظيف ونجاح خطط التوطين بشكل مستدام.



