من عشاء نسيان المحفظة إلى هيمنة عالمية: قصة البطاقات الائتمانية الأمريكية وتأثيرها على أوروبا
قصة البطاقات الائتمانية: من عشاء نسيان المحفظة إلى هيمنة أمريكية

من عشاء نسيان المحفظة إلى ثورة مالية عالمية

في عام 1950، بعد أن تناول فرانك ماكنمارا عشاءه في مطعم ماجور كابين بمدينة نيويورك، أدرك أنه نسي محفظته في المنزل، فاضطرت زوجته إلى دفع الفاتورة نيابة عنه. هذا الموقف المحرج دفعه إلى التفكير في طريقة مبتكرة لتجنب تكرار مثل هذه المواقف في المستقبل، مما أدى إلى ولادة فكرة دينرز كلوب، وهي طريقة دفع مقبولة من المطاعم يتم استقطاعها من الزبون. ومن هذه الفكرة البسيطة، انطلقت شرارة الثورة في عالم المدفوعات، حيث تم إجراء العشاء الأول باستخدام بطاقة من الورق المقوى وتوقيع الإيصال، مما مهّد الطريق لظهور البطاقات الائتمانية الحديثة.

تطور البطاقات الائتمانية وانتشارها العالمي

بعد ثماني سنوات من ذلك العشاء التاريخي، قام بنك أوف أمريكا بإصدار بطاقة بانك أمريكا كارد، وهي أول بطاقة في العالم تتمتع بخاصية الائتمان المتجدد. مع مرور الوقت، تم تغيير اسم هذه البطاقة إلى فيزا في عام 1976، حيث تم اختيار الاسم لسهولة نطقه في مختلف اللغات، ولإعطاء رمزية لفكرة عولمة البطاقة وتعزيز استخدامها في كل بقاع الأرض. هذا التحول البنيوي في حركة التجارة غيّر المفهوم من جودة المنتج إلى سعة شبكة استخدامه، وتلاها ظهور الشبكة المنافسة ماستر كارد، والتي صدرت من انتربانك كارد اسووسياشن. استمرت هاتان الشبكتان في الانتشار حول العالم، ووصلتا إلى مرحلة الهيمنة في مناطق معينة بحسب أنماط الاستهلاك السائدة.

في أوروبا، كانت هناك بعض المحاولات المحلية لإصدار بطاقات ائتمانية، مثل يورو كارد السويدية أو كارتي بليو الفرنسية، لكن العبور السلس للحدود الذي امتلكته البطاقات الأمريكية كان عاملاً حاسماً في المعركة التنافسية. خلال الستينيات وبداية السبعينيات، غزت البطاقتان الأمريكيتان الأسواق الأوروبية، في فترة كانت تعد ذروة التقدم الأمريكي والإغداق على البشرية بالاختراعات والنعم. في ذلك الوقت، لم تكن الصين قد ظهرت بعد على الخارطة الاقتصادية العالمية، وكانت أوروبا تعيش فترة من التقدم والرفاه الاقتصادي بعد أن تعافت من آثار الحرب العالمية الثانية.

هيمنة أمريكية وتحذيرات أوروبية

اليوم، تشير التقديرات إلى أن ثلثي عمليات مشتريات الأفراد في أوروبا تتم عبر البطاقات الائتمانية الأمريكية، كما أن الحلول الرقمية الأخرى مثل أبل باي وقوقل باي وباي بال هي أيضاً حلول أمريكية أو مرتبطة بنفس البطاقات الائتمانية. هذا الأمر أثار قلقاً كبيراً بين الاقتصاديين الأوروبيين، حيث حذر فيليب لين، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، من أن سيطرة البطاقات الائتمانية الأمريكية تمثل ضغطاً اقتصادياً على أوروبا وتأثيراً كبيراً على استقلاليتها. في حديثه الذي أوردته رويترز، أكد لين على ضرورة دراسة حلول بديلة مثل اليورو الرقمي لتقليل المخاطر المرتبطة بهذه الهيمنة.

يأتي الهاجس الأوروبي اليوم ليسأل: متى أصبحت أمريكا خطراً؟ وهل مخاطر سيطرة أمريكا الاقتصادية متوقفة على البطاقات الائتمانية فقط؟ الواقع يشير إلى أن السيطرة الأمريكية على الاقتصاد العالمي أكبر بكثير من حدود البطاقات الائتمانية، سواء عبر دولرة التجارة العالمية، وجعل الدولار عملة معيارية، أو عبر سيطرة نظام SWIFT على التعاملات المصرفية الدولية. على الرغم من أن مقر SWIFT يقع في بلجيكا ويدار بشكل تعاوني بين عشرة مصارف مركزية، إلا أنه استخدم كوسيلة أمريكية للضغط وتحويل العقوبات على دول مثل روسيا وإيران إلى أدوات خانقة.

مراحل الإدراك الأوروبي والتحديات المستقبلية

لحظة الإدراك الأوروبي لكونهم مقيّدين بالأدوات الأمريكية مرت عبر ثلاث مراحل رئيسية:

  1. بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، حيث تم إنشاء INSTEX في عام 2019 كقناة أوروبية غير دولارية وغير مرتبطة بـ SWIFT للتجارة مع إيران، لكن خشية المصارف من العقوبات الأمريكية ورفضها التعامل مع هذه القناة كشف كيف أن استقلالية القرار الأوروبي مفرغة من أدواتها الفعلية.
  2. التأمل في تأثير منع روسيا من استخدام SWIFT على قدرتها في إجراء معاملات دولية، مما جعل البنية الاقتصادية المصرفية سلاحاً ضد روسيا، وطرح السؤال حول من ستكون الطلقة التالية في هذا السياق.
  3. موجة التوتر الاقتصادي التي شهدها العام المنصرم وما زالت مصاحبة للتعرفات الجمركية الأمريكية، والتي بينت أن دعم الناتو أو أوكرانيا ليس عشاء مجانياً، بل يأتي بتكاليف سياسية واقتصادية باهظة.

الاعتمادية الأوروبية المطلقة على الولايات المتحدة تعتبر وهماً سياسياً، والفطام من هذا الاعتماد يبدو وهماً أكبر في الوقت الحالي. تحتاج أوروبا إلى إجراء تغييرات بنيوية على المستوى الاقتصادي والعسكري وحتى السياسي، حيث أن الطاولة العالمية تتغير باستمرار، ومن لا يملك أدوات المستقبل لن يكون طرفاً على طاولة العشاء الأخير في المشهد الاقتصادي الدولي.