لم يكن العالم يدرك في عام 2016 أن إطلاق 'رؤية السعودية 2030' سيتجاوز كونه مشروعاً وطنياً طموحاً لتنويع الاقتصاد، ليصبح بعد سنوات قليلة بمثابة 'طوق نجاة' للاقتصاد العالمي في واحدة من أشد فتراته اضطراباً. فمع توالي الأزمات؛ بدءاً من جائحة كورونا، ومروراً باضطرابات سلاسل الإمداد، وصولاً إلى أزمة الطاقة الأوروبية والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، أثبتت الوقائع والأرقام أن الرياض ومن خلال رؤية 2030 هندست حالة من 'التوازن العالمي' ساهمت في تجنيب الأسواق ركوداً حتمياً، لتتحول الرؤية بذلك إلى مظلة حماية دولية تتجاوز حدود الجغرافيا.
ملاذ آمن لرؤوس الأموال
تبدأ التحولات الكبرى عادة من الداخل، وهذا التماسك الداخلي هو ما منح السعودية وزناً استراتيجياً مختلفاً في الخارج. فبينما تعاني كبرى الاقتصادات من الانكماش والضبابية، تحولت الرياض إلى ورشة عمل عالمية تجذب صناع القرار المالي، حيث تشير الأرقام إلى واقع جديد كسر التوقعات التاريخية؛ إذ شكلت الأنشطة غير النفطية 50% من إجمالي الناتج المحلي الفعلي لأول مرة خلال عام 2023، كما وصل نموها خلال الربع الثالث من عام 2025 محققة 4.5% لتصل إسهاماتها اليوم بحصة 55% من الناتج المحلي. مما يثبت للعالم نجاح معادلة فك الارتباط بالنفط. كما بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% ليصل إلى 4.9 تريليون ريال في 2025، كأعلى معدل نمو سنوي خلال ثلاثة أعوام، مدعوماً بنمو الأنشطة النفطية بنسبة 5.7%.
وفي مسار موازٍ، ارتفعت قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة إلى 3.4 تريليون ريال، مقارنةً بـ500 مليار ريال عام 2015، أي أنها تضاعفت حوالي سبع مرات في غضون 10 سنوات ليصبح المحرك الأكبر للاستثمار العالمي، وهو ما دفع أكثر من 700 شركة عالمية كبرى لنقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض محققة قفزة قياسية من 44 شركة في عام 2021، في مؤشر يعكس متانة الاقتصاد السعودي وجاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، مع المحافظة على الصدارة في الاستثمار الجريء على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للعام الثالث على التوالي حيث تجاوز عدد المستثمرين الدوليين 6000 مستثمر. وهذا الأداء الاستثنائي دفع مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، للتصريح بوضوح بأن الاقتصاد السعودي كان 'النقطة المضيئة الأبرز عالمياً' خلال أزمات التضخم بفضل سرعة تنفيذ إصلاحات الرؤية.
هندسة الاستقرار الجيوسياسي
توّجت الرياض رؤيتها الاقتصادية الجبارة بهندسة جيوسياسية فريدة انطلقت من حكمة القيادة في إرساء دعائم الاستقرار لترسيخ بيئة استثمارية عالمية آمنة وموثوقة، وبفضل هذه الرؤية الثاقبة تحولت الممرات الحيوية في منطقة الخليج والبحر الأحمر، التي تضخ أكثر من 20% من إمدادات النفط وتمرر نحو 12% من حجم التجارة العالمية، إلى واحة أمان تام، وهو ما أثمر عن تراجع ملموس في 'علاوة المخاطر' بأسواق التأمين الملاحي وضمان استقرار أسعار الطاقة، وتجسيداً لهذا الثقل الدولي الكبير أشرعت جدة أبوابها لتكون المنصة الدولية الأوثق لإدارة الحوار وصناعة السلام في مختلف دول العالم من خلال احتضانها الاجتماعات الخاصة بالدول التي كانت تشهد نزاعات مثل السودان ودعم القضية الفلسطينية، في حين قادت الرياض ببراعة واقتدار جهود التنسيق الفاعلة لعودة سوريا إلى محيطها العربي ودعم مسار تعافيها، لتثبت المملكة للعالم أجمع أنها صمام الأمان والقوة السياسية الرصينة القادرة على احتواء أعقد الأزمات، وبث الطمأنينة، وصياغة استقرار إقليمي متين يمتد أثره الإيجابي لحماية الاقتصاد الدولي.
ضمان طاقة المستقبل
حافظت السعودية على حضورها الراسخ كأهم ضامني استقرار سوق الطاقة العالمي بفضل قدراتها التشغيلية العالية، في عالم تتغير فيه أسعار الطاقة خلال ساعات وتؤثر فيه الأزمات الإقليمية على معيشة ملايين البشر. وتجاوزت الرياض إدارة التوازنات النفطية التقليدية لتتحرك بخطوات استباقية نحو أسواق الطاقة الجديدة؛ ففي ذروة أزمة الغاز الأوروبية، أطلقت المملكة ضمن الرؤية أضخم مشروع للهيدروجين الأخضر في العالم في 'نيوم' باستثمارات بلغت 8.4 مليار دولار لإنتاج 600 طن يومياً بحلول عام 2026، لتمنح القارة العجوز والأسواق العالمية بديلاً آمناً ومستداماً، وتربط موقعها الجغرافي النشط بخرائط الطاقة المستقبلية.
الإنسانية العابرة للحدود
في وجه آخر للقوة والتأثير، برز الحضور السعودي عبر تنظيم العمل الإغاثي وتحويله إلى عمل دولي دقيق وموثوق من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. وقد تجلى هذا الدور بوضوح إبان زلزال سوريا وتركيا، فبينما كان العالم منقسماً حول تعقيدات تسييس المساعدات، كسرت الرياض الحصار الإنساني فوراً عبر تسيير جسر جوي مباشر، وجمع تبرعات شعبية ورسمية عبر منصة 'ساهم' تجاوزت 500 مليون ريال في أيام معدودة. هذا الجهد هو امتداد لمسيرة إنسانية ضخمة شملت تنفيذ أكثر من 4263 مشروعاً في 113 دولة بقيمة تتجاوز 8.45 مليارات دولار، لتصبح المساعدات المنظمة رسالة حضور سعودية لا تقل أثراً عن تحركاتها السياسية والاقتصادية.
عاصمة للقرار العالمي
لم تمر هذه التحولات دون رصد دقيق من كبار المفكرين وصناع القرار في العالم. فقد استضافت الرياض الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي في أبريل عام 2024م، الذي جمع أكثر من ألف شخصية قيادية بارزة من مختلف دول العالم لمناقشة تحديات التنمية وصياغة حلول عملية لمستقبل أكثر استقرارًا، في دلالة واضحة على تحول المملكة إلى منصة لصياغة الأفكار في القضايا الكبرى. وقد وصف الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في 'نيويورك تايمز' هذا التحول بأنه أرسى قواعد 'شرق أوسط جديد' تقوده السعودية بلغة المصالح والتنمية، بينما أشاد كبار المستثمرين العالميين مثل راي داليو ولاري فينك ببيئة الاستثمار الشفافة ووتيرة التغيير التي لا تضاهيها أي منطقة أخرى في العالم. كما قال لاري فينك (الرئيس التنفيذي لشركة 'بلاك روك' لإدارة الأصول) 'مع التطور الذي تشهده السعودية وبسبب رؤية 2030، أصبحت المملكة وجهة عظيمة لرؤوس الأموال. وصندوق الاستثمارات العامة أصبح أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم.'
لقد تجاوزت 'رؤية المملكة 2030' إطارها الاقتصادي المحلي لتستقر كركيزة أساسية في معادلة التوازن العالمي. وتؤكد المعطيات والأرقام المتصاعدة قدرة الرياض على توظيف ثقلها السياسي والاقتصادي لحماية أسواق الطاقة، وتأمين سلاسل الإمداد، وقيادة جهود الاستقرار الإقليمي. ومع استمرار المملكة في حصد مستهدفاتها، تتجه الأنظار نحو العاصمة السعودية كمركز للقرار الاقتصادي الدولي، وشريك موثوق يصنع الفارق ويضمن استدامة النمو في مواجهة أعقد الأزمات العالمية.



