من الذاكرة الكلاسيكية إلى أفق 2030: مثقفو أدبي جدة يعيدون صياغة مفهوم المكان والزمان في الأدب السعودي
أدبي جدة يعيد صياغة مفهوم المكان والزمان في الأدب السعودي

من الذاكرة الكلاسيكية إلى أفق 2030: مثقفو أدبي جدة يعيدون صياغة مفهوم المكان والزمان

في فضاء ثقافي يجمع بين أصالة الذاكرة وطموح المستقبل، واصل ملتقى «قراءة النص 22» بجدة رحلته المعرفية المتميزة، حيث تحولت الجلسة الرابعة من مجرد نقاشات أدبية تقليدية إلى ورشة عمل فكرية شاملة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص الأدبي السعودي والتحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية.

تحت الإدارة المتميزة للكاتب علي الزبيدي، انطلقت الأطروحات والنقاشات لتؤكد بشكل قاطع أن الأدب السعودي لم يعد مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح شريكًا فعالًا في صناعته وتشكيله، مما يعكس تطورًا نوعيًا في الدور الثقافي للمبدعين السعوديين.

رئة خضراء للنص الأدبي: نحو أدب بيئي مستدام

افتتح الدكتور منصور المهوس الجلسة بوقفة تأملية عميقة أمام مفهوم «الأدب البيئي»، محذرًا من الخلط الشائع بين الوصف التقليدي للطبيعة في الأعمال الأدبية وبين أدب الاستدامة الحقيقي الذي يتناول القضايا البيئية المعاصرة. وبنظرة ثاقبة، دعا المهوس إلى انتقال المبدع السعودي من دور «الواصف» السلبي إلى دور «الشريك» الفعال في صياغة الوعي البيئي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وتساءل بجرأة: هل استطاع الأدب السعودي تجسير الفجوة الواسعة بين المشاعر العاطفية تجاه البيئة وبين السلوك الإبداعي الحقيقي الذي يلامس قضايا الاستدامة؟ وانتهى إلى رؤية طموحة تطالب بإنشاء «جمعية الأدب البيئي» لتكون المظلة المؤسسية التي تحول قضايا المناخ والأرض إلى نصوص أدبية خالدة تواكب مبادرة «السعودية الخضراء» وتدعم أهداف رؤية 2030 في المجال البيئي.

من الورق إلى الأثير: ثورة البودكاست وتغيير الذائقة الأدبية

وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، تتبع الدكتور أحمد اليتيمي هجرة القصيدة والأدب بشكل عام من دفتي الكتاب التقليدي إلى فضاء «البودكاست» الرقمي الواسع، متخذًا من تجربة «أسمار» نموذجًا حيًا لهذا التحول. اليتيمي لم يرَ في هذا التغير مجرد تحول في الوسيط الناقل للأدب، بل رصد تحولًا سوسيولوجيًا عميقًا في «الذائقة الأدبية» للجمهور.

حيث أصبح الأدب متاحًا على نطاق أوسع، تفاعليًا بشكل أكبر، وعابرًا للحواجز التقليدية التي كانت تقيد انتشاره، مما يعكس مرونة الثقافة السعودية وقدرتها على استيعاب أدوات العصر الرقمي واستثمارها في نشر الإبداع الأدبي.

المكان: من مسرح للأحداث إلى بطل الرواية

أما الدكتورة منى الغامدي فقد منحت المكان صوته الخاص ومكانته المستقلة في العمل الأدبي، مؤكدة أن المدن السعودية في الرواية المعاصرة لم تعد مجرد خلفيات صامتة أو ديكورات ثابتة، بل تحولت إلى كائنات حية نابضة تعكس ملامح الهوية الوطنية والانتماء الثقافي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

من استنطاق الذاكرة التاريخية إلى استشراف المستقبل عبر أدب الخيال العلمي، بينت الغامدي كيف تحول المكان إلى أداة فعالة للترويج السياحي والثقافي، بل وصار بعدًا رقميًا متطورًا يجسد طموحات المدن السعودية المستقبلية وتوجهات التطور العمراني والحضاري.

صياغة التاريخ: سد فراغات المعنى وإنتاج الهوية

واختتم الباحث فيصل السرحان الجلسة بقراءة عميقة ومتأنية في «الرواية التاريخية» السعودية، موضحًا كيف أعادت رؤية 2030 فك الارتباط التقليدي مع التاريخ بوصفه حقائق جامدة وثابتة، لتحوله إلى مجال خصب لإنتاج المعنى وتقرير الهوية الوطنية بشكل ديناميكي.

السرحان أشار إلى أن الروائي السعودي اليوم لم يعد مجرد «ناقل» للخبر التاريخي، بل أصبح «صانعًا» للخطاب التاريخي، يستثمر التقاطعات الكبرى للرؤية الوطنية ليبني أعمالًا أدبية تتجاوز حدود الزمن وتخاطب الأجيال الحالية والمقبلة.

إنها لحظة «الاشتباك» الخلاق مع الواقع السعودي المتغير؛ حيث لم يعد المثقف السعودي يكتفي بقراءة الواقع وتحليله، بل بات يكتب مسودة المستقبل بلغة الاستدامة البيئية، وتقنيات العصر الرقمي، وعمق التاريخ الوطني. الذاكرة الكلاسيكية لأدبي جدة تتحول إلى رافعة للإبداع المعاصر الذي يواكب طموحات المملكة في ظل رؤية 2030.