غزّة: الثقافة كملاذ أخير للمقاومة في زمن السياسة العارية
في غزّة، لا تُختبر السياسة بوصفها فنَّ الممكن، بل تتحوّل إلى فنّ التجريد الكامل من المعنى. هنا، حيث تنكشف اللغة السياسية حتى عظامها، وتفقد البيانات الرسمية قدرتها على الإقناع، وتتحوّل الخطب إلى ضجيجٍ مكرّر، تظهر الثقافة بوصفها الفعل الإنساني الأخير القادر على ترميم المعنى وسط الخراب. ليست الثقافة في غزّة ترفًا ولا خطابًا موازيًا، بل هي ضرورة وجودية، وسؤال حياة أو موت، ومحاولة يائسة لكنها نبيلة للقول إن هذا المكان ما زال ينتمي إلى العالم.
السياسة العارية وفراغ المعنى
السياسة التي تحاصر غزّة اليوم هي سياسة عارية، لا لأنها بلا أقنعة فقط، بل لأنها بلا خجل. ميزان القوى فيها فاضح، واللغة المستخدمة فيها ميتة أخلاقيًا، والقانون الدولي يتحوّل إلى نصٍّ أدبيٍّ لا يُقرأ إلا في المناسبات. في هذا السياق، لا يعود للسياسة قدرة على إنتاج أفق، ولا حتى على تفسير الواقع، فتنسحب من دورها الطبيعي وتترك فراغًا هائلًا، سرعان ما تملؤه الثقافة، لا بوصفها بديلًا سلطويًا، بل بوصفها فعل نجاة.
غزّة كسردية متحركة
غزّة، في جوهرها، ليست مجرد مساحة جغرافية محاصرة، بل هي سردية متحركة. كل بيت مهدّم فيها يروي حكاية، وكل شارع يحمل طبقات من الذاكرة، وكل اسم شهيد يتحوّل إلى نص مفتوح على تأويلات لا تنتهي. الثقافة هنا لا تُمارس في المسارح ولا في المعارض، بل في البيوت المؤقتة، وفي دفاتر الأطفال، وفي الأغاني التي تُغنّى على ضوء الشموع، وفي اللغة اليومية التي ترفض أن تُختزل في أرقام الضحايا. هذا الإصرار على الحكاية هو أول أشكال المقاومة الثقافية، لأنه يقف في وجه أخطر ما في السياسة العارية، تحويل الإنسان إلى رقم.
المقاومة الثقافية في لحظات الانهيار
في لحظات الانهيار الكبرى، تفشل السياسة لأنها محكومة بحسابات باردة، بينما تنجح الثقافة لأنها تنحاز للإنسان. لهذا نرى في غزّة شعراء يكتبون تحت القصف، وفنانين يرسمون على الجدران المهددة بالسقوط، وصحفيين يحوّلون اللحظة الآنية إلى شهادة تاريخية. هؤلاء لا يغيّرون ميزان القوى العسكري، لكنهم يغيّرون ميزان المعنى، وهذا ليس أمرًا هامشيًا. فالصراع، في أحد أبعاده العميقة، هو صراع على الرواية، على من يملك حق تعريف ما يحدث، وعلى أي لغة ستسود في الذاكرة الجمعية للعالم.
تفكيك الرواية السياسية
السياسة العارية تحاول أن تفرض روايتها بالقوة، أن تُقنع العالم بأن ما يحدث في غزّة ضرورة أمنية، أو نتيجة حتمية لصراع معقّد، أو رقم في نشرات الأخبار. الثقافة، في المقابل، تفكك هذه الرواية من الداخل، وتعيد صياغة الحدث بوصفه تجربة إنسانية ملموسة. حين يكتب شاعر من غزّة عن فقدان بيته، فهو لا يقدّم بيانًا سياسيًا، لكنه يفضح السياسة أكثر مما تفعل ألف إدانة رسمية. وحين ترسم طفلة سماءً بلا طائرات، فهي لا تمارس الخيال فقط، بل تمارس حقها في مستقبل مسلوب.
رفض منطق الإلغاء
في هذا المعنى، تصبح الثقافة فعل مقاومة لأنها ترفض منطق الإلغاء. السياسة العارية تقوم على الإقصاء، على تقسيم العالم إلى مستحقين للحياة وغير مستحقين، إلى ضحايا قابلة للنسيان وضحايا تستحق التضامن. الثقافة في غزّة ترفض هذا التقسيم، وتصرّ على كونية التجربة الإنسانية. الألم هنا ليس فلسطينيًا فقط، بل إنساني، والخسارة ليست محلية، بل عالمية، لأن خسارة أي مكان لحقه في الحياة هي خسارة للمعنى الإنساني كله.
هشاشة الثقافة العالمية
ما يحدث في غزّة يكشف أيضًا هشاشة الثقافة العالمية السائدة، تلك التي تتغنّى بالقيم الإنسانية لكنها تصمت عند اختبارها الحقيقي. هنا، تتحوّل غزّة إلى مرآة قاسية، لا تعكس فقط عري السياسة، بل أيضًا ارتباك الثقافة العالمية، وعجزها عن اتخاذ موقف أخلاقي واضح. في هذا الفراغ، تبرز الثقافة المحلية بوصفها أكثر صدقًا وأكثر جذرية، لأنها لا تتحدث من موقع القوة، بل من موقع الجرح.
الممارسة اليومية للثقافة
الثقافة في غزّة ليست خطابًا نخبويًا، بل ممارسة يومية. هي في طريقة تسمية الأشياء، في الإصرار على استخدام أسماء الشوارع القديمة، في الحفاظ على الذاكرة العائلية، في تداول القصص عن البيوت التي كانت هنا. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنع السياسة من تحقيق انتصارها الكامل، لأن الانتصار الحقيقي لأي سلطة قمعية هو محو الذاكرة، وتحويل المكان إلى صفحة بيضاء قابلة لإعادة الكتابة.
استهداف الثقافة كجزء من المنطق السياسي
لذا، يمكن فهم لماذا تُستهدف الثقافة كما تُستهدف البنية التحتية. تدمير المكتبات، قتل الصحفيين، إسكات الأصوات الفنية، كلها ليست أضرارًا جانبية، بل جزء من منطق السياسة العارية التي تدرك أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على المعنى. إن هذا الاستهداف ذاته يعيد إنتاج الثقافة بشكل أكثر كثافة، وأكثر إلحاحًا، لأن الحاجة إلى الكلام تزداد كلما اشتد الصمت المفروض.
غزّة كاختبار أخلاقي وثقافي
غزّة اليوم ليست فقط موضوعًا سياسيًا، بل اختبارًا أخلاقيًا وثقافيًا للعالم. السؤال لم يعد ماذا ستفعل السياسة، لأنها أثبتت عجزها، بل ماذا ستفعل الثقافة العالمية أمام هذا العري الفاضح. هل ستكتفي بالتعاطف الموسمي، أم ستعيد النظر في مفاهيمها عن العدالة، والإنسان، والحق في الحياة؟ مما تقدّم، قد لا توقف الثقافة القنابل، لكنها تمنع القنابل من أن تكون القصة الوحيدة. قد لا تفتح المعابر، لكنها تفتح نوافذ في الوعي.
الثقافة من قلب الاضطراب
في غزّة، لا تُنتج الثقافة من موقع الاستقرار، بل من قلب الاضطراب. هي ليست ردَّ فعل مؤقتًا على حدث طارئ، بل حالة مستمرة من إعادة تعريف الذات تحت الضغط. هذا ما يمنحها طابعها الخاص، ويجعلها مختلفة عن أي إنتاج ثقافي آخر في مناطق الصراع. هنا، لا تُكتب القصيدة لتُقرأ في أمسية أدبية، بل لتنجو من النسيان. ولا تُلتقط الصورة لتُعلّق في معرض، بل لتكون دليلًا على أن ما جرى لم يكن وهمًا عابرًا في شريط الأخبار.
مقاومة الزمن والسياسة
السياسة، حين تعجز عن تقديم حلول، تلجأ إلى إدارة الزمن. تؤجل، تماطل، وتراهن على التعب، وعلى أن الاعتياد سيحوّل الكارثة إلى أمر عادي. الثقافة في غزّة تقف نقيضًا لهذا المنطق، لأنها ترفض الاعتياد. كل نص يُكتب، كل شهادة تُسجّل، هي محاولة لوقف الزمن عند لحظة الألم، ومنعها من الذوبان في رتابة الأخبار. بهذا المعنى، تصبح الثقافة فعل مقاومة للزمن بقدر ما هي مقاومة للسياسة.
اختراق الحدود عبر الثقافة
ومن المفارقات أن غزّة، التي تُصوَّر دائمًا بوصفها مكانًا معزولًا، باتت من خلال ثقافتها واحدة من أكثر الأمكنة حضورًا في الوعي العالمي. كلمات كتّابها، وصور صحفييها، ومقاطع الحياة اليومية التي يشاركها سكانها، اخترقت حدود الحصار، وفرضت نفسها على نقاشات الرأي العام، حتى في المجتمعات التي تحاول سياساتها الرسمية تجاهل ما يحدث. هذا الاختراق ليس إنجازًا إعلاميًا فقط، بل دليل على قوة الثقافة حين تتحرر من الوسائط التقليدية، وتخاطب العالم مباشرة بلغة التجربة.
المطالبة بالاعتراف
الثقافة هنا لا تطلب الشفقة، ولا تبحث عن موقع الضحية، بل تطالب بالاعتراف. الاعتراف بإنسانية كاملة، غير منقوصة، وبحق أصيل في السرد. ولهذا تصطدم باستمرار بمحاولات التشويه والتبسيط، التي تسعى إلى اختزال غزّة في صورة واحدة، أو خطاب واحد. لكن التعدد داخل التجربة الثقافية الغزّية ينسف هذا الاختزال، ويكشف أن المكان أكبر من أي تعريف جاهز، وأكثر تعقيدًا من أي رواية أحادية.
إعادة تعريف البطولة
كما أن الثقافة في غزّة تعيد مساءلة مفهوم البطولة نفسه. فهي لا تحتفي فقط بالفعل الاستثنائي، بل تُعلي من شأن الصمود اليومي، من القدرة على الاستيقاظ، والبحث عن ماء، ومواساة طفل، وتبادل النكات أحيانًا وسط الركام. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا تجد مكانًا في التحليل السياسي، هي جوهر التجربة الإنسانية، وهي ما تمنح المقاومة معناها العميق بعيدًا عن الشعارات.
الثقافة والأخلاق
في هذا السياق، لا يمكن فصل الثقافة عن الأخلاق. فكل عمل ثقافي يخرج من غزّة يحمل في طياته سؤالًا أخلاقيًا موجهًا إلى العالم: ماذا يعني أن تكون إنسانًا بينما يحدث هذا؟ الصمت هنا ليس موقفًا محايدًا، بل انحياز ضمني للسياسة العارية. ولهذا تفرض الثقافة الغزّية حضورها بوصفها إزعاجًا أخلاقيًا، يذكّر بأن تجاهل المأساة هو مشاركة فيها.
الضرورة التاريخية للثقافة
هكذا، لا تكون توسعة الثقافة في غزّة ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية. فهي تحفظ الذاكرة من التآكل، وتمنح الضحايا أسماء ووجوهًا، وتمنع السياسة من احتكار تفسير الواقع. وفي عالم يتقن النسيان، تصرّ غزّة، عبر ثقافتها، على أن تكون ذاكرة مفتوحة، وسؤالًا مستمرًا، وشاهدًا حيًا على زمن قرر أن يخلع أقنعته.
