تدور في الأيام الحالية سجالات رفيعة المستوى والقيمة على منصات التواصل الاجتماعي حول قضايا ثقافية وفكرية مهمة، مثل التدريس باللغة الإنجليزية في جامعة الرياض للفنون، وقرار جامعة الملك سعود بإلغاء التخصصات الإنسانية الذي تم العدول عنه لاحقاً. ويشكل مستوى المشاركين في هذه السجالات ونوعيتهم انعطافة مهمة في محتوى منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها، بعيداً عن المستوى المنخفض الذي شهدته قضايا سابقة.
أهمية الاستفادة من السجالات الفكرية
يدعو الكاتب إلى تعظيم الاستفادة من هذه البيئة السجالية الفكرية والثقافية الحضارية، مقترحاً أن تقوم وزارة الثقافة بدور في تأصيل وتجذير هذا النوع من السجالات لتكون مكوناً من مكونات الهوية الثقافية والفكرية الوطنية، سواء استمرت على المنصات الرقمية أو انتقلت إلى قاعات الحوار المباشر.
ويؤكد الكاتب أن الثقافة والفكر لا يمكن أن يبقيا مجرد نشاطين إبداعيين، بل يجب اعتبارهما منظومة تشكل شخصية المجتمع وتحدد منهجيته في رؤية نفسه والعالم. لذا، لا يمكن حصر الهوية الثقافية في الجانب الرمزي أو النخبوي فقط، لأنها تمثل أهم ملفات القوة الناعمة والتنافس الحضاري واستدامة الإبداعات والابتكارات الوطنية.
الحاجة إلى هيئة للهوية الثقافية
رغم الإنجازات التي حققتها المنظومة الثقافية عبر الهيئات المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة، إلا أن اتساع التحولات الرقمية وتسارع العولمة الثقافية وتغير أنماط العيش وبروز الذكاء الاصطناعي تفرض سؤالاً عن إدارة الهوية الثقافية وكيفية التعامل معها. فالهوية لم تعد ثابتة، بل أصبحت عرضة لإعادة التشكيل المستمر عبر المنصات الرقمية والخوارزميات والثقافة العالمية وثقافة السوق.
هنا يبرز اقتراح استحداث هيئة للهوية الثقافية تكون مهمتها دراسة وبلورة الشخصية الثقافية وتطويرها وتحويلها من مجرد إرث تاريخي إلى قوة وطنية فاعلة عالمياً في الاقتصاد والتعليم والإعلام والفضاءات العامة.
دور الهيئة المقترحة
الهيئات الثقافية الحالية تعمل على قطاعات متخصصة مثل الأفلام والتراث والأزياء والأدب والمتاحف والموسيقى، لكن الهوية الثقافية ليست قطاعاً منفصلاً، بل هي الإطار الجامع الذي يربط تلك القطاعات ويمنحها معنى واتجاهاً. وتشمل الهوية منظومة من اللغة والقيم والذوق العام وأنماط العيش والسلوك الاجتماعي والصورة الذهنية الوطنية والرموز الثقافية والعلاقة بالماضي والمستقبل.
تقوم الهيئة المقترحة بعدة مهام رئيسية:
- حماية الهوية الوطنية في عصر العولمة الرقمية وتبني سياسات تمنع التآكل الثقافي والانغلاق وتعزز حضور اللغة العربية كوعاء للهوية والمعنى والسردية الوطنية.
- ربط الهوية بالاقتصاد من خلال تحويلها إلى قوة اقتصادية في السياحة والمحتوى والمنتجات المحلية والعمارة والأزياء وفنون الطهي.
- بناء مؤشر وطني للهوية الثقافية لقياس مستوى حضورها في المجتمع والإعلام والتعليم والسوق والفضاء الرقمي.
- حماية الهوية البصرية والعمرانية الوطنية ومنع تحول المدن إلى نسخ متشابهة بلا روح محلية أو ذاكرة حضارية.
- تعزيز الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة.
- إعداد الدراسات الإستراتيجية الوطنية للهوية الثقافية ومراجعة الأثر الثقافي للمشروعات الكبرى والسياسات العامة.
- التنسيق مع الوزارات ذات العلاقة وتطوير معايير الهوية في العمارة والتصميم والمحتوى.
- إطلاق برامج لتعزيز الهوية في المدارس والجامعات ودعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بتحولات الهوية.
- مراقبة ورصد التغيرات الثقافية والسلوكية في المجتمع وتمكين المحتوى المعبر عن الشخصية الوطنية.
- حماية الرموز الثقافية من التشويه أو التذويب وبناء قواعد بيانات ومراصد للهوية والتحولات الثقافية.
الأدوات المقترحة للهيئة
يمكن للهيئة تحقيق أهدافها من خلال عدة أدوات: المرصد الثقافي الوطني، والمختبرات الثقافية المتخصصة في دراسة الهوية الرقمية وتأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة وتحولات اللغة والثقافة الشبابية والهوية العمرانية والصورة الذهنية الوطنية، بالإضافة إلى الشراكات العابرة للقطاعات.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن أخطر ما تواجهه الأمم هو فقدان الشخصية والهوية، وفي عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات العابرة للحدود والثقافة الخوارزمية، يجب أن يكون الهدف هو الحفاظ على الإنسان كحامل للمعنى واللغة والقيم والذاكرة. لذا، فإن استحداث هيئة للهوية الثقافية هو مشروع إستراتيجي طويل المدى لحماية الشخصية الوطنية التي تمر بواحدة من أكبر وأسرع مراحل التحول في تاريخها.



