رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور: صوت "أناديكم" الذي ارتبط بقضايا الحرية والكرامة
رحيل الفنان أحمد قعبور: صوت "أناديكم" الملتزم

رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور: صوت "أناديكم" الذي ارتبط بقضايا الحرية والكرامة

انتقل إلى رحمة الله تعالى، اليوم الخميس 26 مارس 2026، الفنان اللبناني البارز أحمد قعبور في العاصمة اللبنانية بيروت، عن عمر ناهز 70 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض. يترك قعبور خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً غنياً، ارتبط بشكل وثيق بقضايا الحرية والكرامة، مع تركيز خاص على القضية الفلسطينية، مما جعله أحد أبرز رموز الأغنية الملتزمة في العالم العربي.

بداياته الفنية وارتباطه بالقضايا الإنسانية

وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، وتخرج من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. بدأت مسيرته الفنية في سبعينيات القرن الماضي، خلال فترة حاسمة من تاريخ لبنان والمنطقة، حيث تداخل الفن مع السياسة والالتزام الثقافي. انطلق قعبور فنياً ضمن فرقة "الكورس الشعبي"، التي زارت معسكرات القتال والجرحى واللاجئين، مما ساهم في انتشار اسمه وتعزيز حضوره كصوت فني قريب من الناس وقضاياهم.

أغنية "أناديكم" وارتباطها بالقضية الفلسطينية

برز اسم أحمد قعبور على المستوى العربي من خلال أغنيته الشهيرة "أناديكم"، المستوحاة من قصيدة للشاعر توفيق زيّاد. تحولت هذه الأغنية إلى نشيد رافق التظاهرات والفعاليات التضامنية مع الفلسطينيين، وبقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية مع كل حدث سياسي. خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أصبحت "أناديكم" واحدة من أبرز الأناشيد المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ورددها جمهور واسع في العالم العربي. لا تزال هذه الأغنية حاضرة حتى اليوم في الاحتجاجات، كأحد أبرز أناشيد التضامن، إلى جانب أعمال أخرى مثل "يا نبض الضفة" و"سموني لاجىء".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مسيرته الفنية المتعددة الأوجه

إلى جانب مسيرته الغنائية، خاض أحمد قعبور تجربة تمثيلية لافتة في السينما والتلفزيون. شارك في فيلم "ناجي العلي"، الذي تناول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني، في عمل ينسجم مع توجهاته الفنية والسياسية. كما ظهر في أعمال درامية حديثة، مثل مسلسل "النار بالنار"، مجسداً شخصيات قريبة من الواقع الاجتماعي والسياسي. بالإضافة إلى ذلك، جسد قعبور شخصيات سياسية بارزة مثل وديع حداد، مما عزز حضوره كفنان متعدد المواهب.

أسلوبه الفني ورفضه للمسار التجاري

تميز أحمد قعبور بأسلوب فني بسيط وعميق في آن واحد، حيث اعتمد على ألحان مباشرة وقريبة من الأذن، مع قدرة على المزج بين الغناء الفردي والكورال، مما أضفى على أعماله طابعاً جماعياً. اتسم صوته بالدفء وشيء من الخشونة الخفيفة، مما منحه صدقية عالية لدى الجمهور. رفض قعبور طوال مسيرته الانخراط في المسار التجاري، متمسكاً بفكرة الفن كوسيلة تعبير ورسالة، لا كسلعة استهلاكية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تأثيره على الحركات الطلابية والسياسية

يُقارن قعبور برواد الأغنية الملتزمة في العالم العربي، مثل مارسيل خليفة، حيث شكّل صوته جزءاً من الوعي الجمعي المرتبط بالقضية الفلسطينية وقضايا الحرية. كان لأعماله تأثير واضح على الحركات الطلابية والسياسية، التي اعتمدت أغانيه في التظاهرات والفعاليات. في السنوات الأخيرة، واصل قعبور الظهور في حفلات رغم معاناته الصحية، حيث غنى للناس "نحنا الناس"، ولم يسمح لأوجاع المرض بأن تحول بينه وبين جمهوره.

تفاعل واسع مع خبر وفاته

أثار خبر وفاة أحمد قعبور موجة واسعة من التفاعل، حيث نعاه فنانون ومثقفون وناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستذكرين دوره في ترسيخ الأغنية الملتزمة. صدرت مواقف نعي من جهات ثقافية، بما في ذلك وزارة الثقافة اللبنانية، التي أشادت بإرثه الفني ومواقفه الإنسانية. نعى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلّام الفنان، قائلاً: "وداعاً أخي وصديقي الفنان الكبير أحمد قعبور. بغيابك خسرنا قامة إنسانية ووطنية كانت تشد على أيادينا وتضيء العتمة في قلوبنا وقت المحن". كما نعاه رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، مشيراً إلى أن اسم قعبور سيظل علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم.

إرثه الفني المتنوع

عُرف أحمد قعبور بأغنيات خصّ بها مدينته بيروت، مثل "بيروت يا بيروت" و"يا حرش بيروت"، إلى جانب أعمال ارتبطت بأجواء شهر رمضان والأعياد، مثل أغنية "علّوا البيارق" التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأجيال. تنوعت أعماله لتشمل باقة من الأغاني ذات الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، مثل "نحنا الناس" و"يا ستي" و"صبح الصباح". شكلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في مشروعه الفني، حيث ارتبط اسمه بالمخيمات الفلسطينية، مثل مخيم عين الحلوة، وأحيا حفلات وفعاليات تضامنية، مما جعل أغانيه جزءاً من الذاكرة الجمعية للاجئين.