رمضان وشاشة التلفزيون: رحلة المسلسلات من الفوازير إلى منصات البث
رمضان وشاشة التلفزيون: رحلة المسلسلات من الفوازير إلى البث

رمضان وشاشة التلفزيون: رحلة المسلسلات من الفوازير إلى منصات البث

لا أحد يعرف على وجه التحديد متى بدأ هذا السباق المحموم، أو متى تحول شهر رمضان المبارك إلى موسم حصري للمسلسلات التلفزيونية. أحاول أن أعود بذاكرتي إلى زمن رمضان قبل أن تغزوه المسلسلات، قبل أن يكتشف المنتجون أن المشاهدة في هذا الشهر الفضيل تختلف جذرياً عن بقية أشهر السنة، وأن أبطال المسلسل الرمضاني يصبحون أكثر شهرة وأكثر لمعاناً بشكل استثنائي.

من عصر الفوازير إلى عصر الدراما

أتذكر جيداً رمضان الفوازير، حيث كانت الفوازير هي النجم الأوحد الذي يسيطر على الشاشة. حظينا بسنوات ذهبية لا تُنسى من فوازير نيللي وشيريهان وسمير غانم، التي شكلت جزءاً أساسياً من ذكرياتنا الجماعية. ثم خفت هذا اللمعان تدريجياً، ولم يستطع من جاء بعدهم أن يصل إلى نفس مستوى التألق والإبداع. نتيجة لذلك، استعاض التلفزيون بالمسلسلات الدرامية والكوميدية عن الفوازير، لتبدأ حقبة جديدة في المشهد الرمضاني.

أنا واحدة من أولئك الذين يقعون في فخ هذا التقليد بكامل إرادتي ورضا. بالنسبة لي، رمضان هو شهر المسلسلات بامتياز، وأنا الوحيدة في عائلتي التي ما زالت صامدة في إحياء هذا التقليد العريق، تقليد مشاهدة المسلسلات الرمضانية يومياً. لقد اختلفت العادة بالكامل بالطبع، فلم تعد العائلة تتحلق حول التلفزيون بعد الإفطار لمشاهدة المسلسل كما كان يحدث سابقاً. الآن، صرنا نجتمع لتبادل الأحاديث والضحكات بعد الإفطار، وبعد أن يتفرق الجمع، أعود إلى بيتي لبدء ماراثون المشاهدة الخاص بي.

تطور المشهد الرمضاني

من سنوات طويلة وأنا أحافظ على هذا التقليد بكل حب، حيث أخصص رمضان لمشاهدة المسلسلات العربية. شاهدت عبر رمضانات كثيرة مسلسلات رائعة تركت أثراً عميقاً، كما شاهدت أيضاً مسلسلات كان من المستحيل أن أشاهدها في غير رمضان، وذلك بسبب طبيعتها الخاصة المرتبطة بهذا الشهر.

ظل مسلسل طاش ما طاش يتربع على عرش المشاهدة عند السعوديين لسنين طويلة، حيث كانت حلقاته الخفيفة تقدم ضحكاً من القلب، ثم ننتقل بعدها لمشاهدة المسلسلات الثقيلة من الدراما المصرية والسورية. بقي الحال على هذا المنوال حتى وصلنا إلى السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المسلسلات السعودية الدرامية تنافس بقوة الدراما المصرية والسورية، حتى في شهر رمضان، مما يعكس تطوراً ملحوظاً في الصناعة المحلية.

هذا العام، اكتفيت بمشاهدة المسلسلات الكوميدية وأجلت متابعة الدراما السعودية لبعد رمضان. أضحك كل يوم مع مسلسلات مثل جاك العلم ويوميات رجل متزوج، وأفكر في كيف نجح السعوديون دوماً في إنتاج كوميديا خفيفة مسلية ورائعة، تجعلك تفتقد أبطالاً عشت معهم في رمضانات سابقة. ما زلت أفتقد وبشدة مسلسلاً مثل سكة سفر، الذي ترك بصمة لا تنسى.

تغير عادات المشاهدة

لقد تغيرت طريقة مشاهدة المسلسلات بشكل جذري خارج نطاق رمضان، حيث أصبح المشاهدون يشاهدون المسلسل كاملاً في عدة أيام فقط وينتهي الأمر. غيرت منصات البث المعتمدة على الإنترنت، مثل نتفليكس وشاهد، طريقة مشاهدتنا للتلفزيون بشكل كامل. في بيتي، لا يوجد كيبل أو طبق تقليدي، وأعتقد أن الغالبية العظمى من الناس أصبحوا مثلي، يعتمدون على هذه المنصات الرقمية.

ربما لهذا السبب أحرص على متابعة المسلسلات العربية في رمضان، لأنها تعيدني إلى الزمن الماضي الجميل، حيث أتابع المسلسل يوماً بيوم، وأتطلع بلهفة إلى الحلقة التالية. هل يمكن للجيل الحالي أن يستوعب أنه في زمن مضى، كان المشاهد ينتظر أسبوعاً كاملاً كي يشاهد الحلقة الجديدة من المسلسل الذي يتابعه؟ وأنه على مدار الأسبوع، كان هناك مسلسل مختلف كل يوم؟ وأن 13 حلقة كانت الرقم الذي يلتزم به المنتجون لأنها تغطي 13 أسبوعاً هي مدة الموسم التلفزيوني؟

لم تكن هناك مسلسلات طويلة كما نرى الآن، ولم يكن هناك أجزاء متتابعة من مسلسلات ناجحة، إلا في حالات نادرة جداً، ربما بدأت مع أسامة أنور عكاشة، ولا أجزم بذلك. انتهت المساحة المتاحة للكتابة، ولكن الحديث عن رمضان وشاشة التلفزيون لا ينتهي أبداً، كما هي عادتي الدائمة. رمضان كريم.