قصة أخوة تتجاوز روابط الدم إلى آفاق الفن والتوثيق
ربما يبدو العنوان للوهلة الأولى بسيطاً أو بديهياً، فمن المعتاد أن يكون الشقيق رفيقاً لشقيقه، لكن الحياة تكشف لنا أن اختلافات الرؤى والتوجهات قد تُفرّق بين الأشقاء في كثير من الأحيان، خصوصاً عندما تصل الخلافات إلى مراحل عميقة لا تسمح بالتراجع، سواء كانت أسبابها سياسية أو اجتماعية أو تتعلق بعدم التوافق مع أعراف المجتمع وتقاليده.
مقولة العرب: "رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُك"
من منظور إيجابي للعلاقات الإنسانية، يمكن استحضار مقولة العرب الشهيرة التي تؤكد أن الأخوة قد تتجاوز روابط الدم، وهذا القول يجد مصداقيته في العديد من الشواهد التاريخية والاجتماعية، فما يتردد من أمثال وحكم في تراث الشعوب يمثل خلاصات تجارب إنسانية طويلة، تكاد تكون مواثيق غير مكتوبة تحكم العلاقات بين الأفراد.
خالد وسعد الجادر: نموذج للرفقة المتعددة الأبعاد
يشير عنوان المقالة إلى المواطنين العراقيين خالد وسعد الجادر، المنحدرين من عائلة الجادر التي تعود أصولها إلى بني مهدي من بني طريف من جذام فالقحطانيين، لكن الجامع بينهما لم يكن فقط رابط الدم، بل تجاوزه إلى روابط أعمق وأكثر ثراءً.
فخالد الجادر هو الفنان الرسام المبدع الذي ترك إرثاً فنياً غنياً، بينما اهتم شقيقه سعد منذ عام 1958 بتتبع أثر "فنون الصياغة الفضية الإسلامية"، حيث جمع معلومات موثقة أهلته لإصدار كتاب متميز بعنوان "KUNUZ, ISLAMIC SILVER TREASURES"، كما امتلك مجموعة نادرة تضم أكثر من أحد عشر ألف قطعة من التحف الفضية المتميزة.
علاقة متعددة المجالات: من السياسة إلى الفن
نشأت وتطورت علاقة خالد الجادر بشقيقه الأصغر سعد لتكون ذات جذور أعمق مما هو معتاد بين أفراد الأسرة، فقد جمعتهما دروب متعددة تنوعت مجالاتها من الاهتمامات السياسية بما يجري في العراق والمنطقة العربية، إلى التفاعل مع قضايا المجتمع، إلى التحليق في فضاءات الفن المختلفة.
ومن اللطيف الإشارة إلى أن الصغير سعد كان يجلس ساعات طويلة كـ"موديل" في مرسم الفنان خالد، وهذه التفاصيل الحميمة تضمنها الكتاب القيم الذي وضعه سعد عن شقيقه الفنان، وصدر قبل بضعة أسابيع تحت عنوان "خالد الجادر... رسام الطبيعة والناس والوطنية".
كتاب يتجاوز البعد الذاتي إلى التوثيق التاريخي
عندما أبلغ الدكتور سعد قبل أكثر من عام أنه انتهى من وضع الكتاب، كان السؤال: كيف يمكن لكاتب أن يكتب عن سيرة شخص من عائلته، خاصة إذا كان هذا الشخص أخاً له؟ لكن الكتاب جاء ليتجاوز هذا التحدي، حيث يؤكد سعد في تقديمه: "يُقال بأن الكتابة عن المبدعين البارزين أمر صعب بالنسبة لشخص قريب، ذلك لاحتمال التعرض لمطبات التطرف وغلبة الذاتي".
ويضيف: "ولكن رساماً رائداً وكبيراً ترك تراثاً ثرياً لا يحتمل معه مجالاً للحذر من قول، خاصة وقد حجب العث والذباب المخابراتي المحلي والخارجي رؤية وفن وجماليات الصورة الفنية التي بثها خالد الجادر في الفضاء الثقافي".
محتوى الكتاب: بين التوثيق والمعرض الفني
يتكون الكتاب من 530 صفحة تقع بين غلافين من الورق المقوى السميك بحجم أكبر من المقاس العادي، ويبدأ بالإهداء التالي: "إلى ذكرى أمنا، وإلى خالد في مئويته 1924-2024".
الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو عمل توثيقي على مستويات متعددة:
- التوثيق السياسي والثقافي: يوثق المواقف المختلفة إزاء قضايا عديدة، منها الخلاف حول عري المرأة في الفن التشكيلي.
- المعرض الفني: يعرض عدداً من لوحات خالد وتخطيطاته، بما في ذلك البورتريهات والطبيعة والأسواق.
- المراسلات: يضم بعض الرسائل المتبادلة بين الأخوين.
- التغطية الإعلامية: يتضمن صوراً لكتابات وتغطيات صحافية تناولت أعمال خالد الجادر.
إرث يستحق التوثيق
رؤى خالد الجادر وجماليات صوره انعكست في مضامين لوحاته وإسكتشاته، وقد توسع الدكتور سعد في التعريف بهذه المضامين وشرح تنوعاتها، مما يجعل الكتاب ليس مجرد عمل عن شقيق لشقيقه، بل مرجعاً ضرورياً لكل مهتم بتاريخ الحركة الفنية في العراق والعالم.
تبقى هذه المقالة عاجزة عن الإيفاء بحق الدكتور سعد الجادر وجهاده غير العادي في وضع هذا الكتاب، الذي يتجاوز البعد الذاتي ليكون وثيقة تاريخية وفنية تستحق الدراسة والتقدير.



