قصيدة «البيتار»: رحلة وجدانية من سرير المرض إلى أحضان البادية
تُعد قصيدة «السبيتار» للشاعر العلم الراحل عويضة بن حمزان، التي مضى على كتابتها أكثر من 70 عامًا، واحدة من النصوص الشعرية النادرة التي جمعت بين عمق التجربة الإنسانية وروعة اللغة الأصيلة. فهي لا تُقرأ كمجرد نص شعري تقليدي، بل كسيرة وجدانية حية، حيث يتقاطع ألم الجسد مع حنين الروح، لترسم لوحة نابضة بالمعاناة والأمل.
المرض كفضاء للعزلة والكشف الذاتي
كتب الشاعر عويضة بن حمزان قصيدته من داخل مستشفى الطائف، أو «السبيتار» كما كان يُطلق عليه في ذلك الوقت، والذي لم يكن ينظر إليه كمجرد مكان للعلاج، بل كفضاء للعزلة والانفصال عن العالم. منذ الاستهلال، تتبدى حالة القلق الوجودي:
البارحة أمسيت ليلي بالسهر قالي هوجست ثم انتوى قلبي بمضنونه
هنا، يتحول السهر إلى صوت داخلي يوقظ الوجع، ويقيس المسافة بين الطائف ونجران مسقط رأسه، ليفتح باب «الهوجاس» أو التأمل العميق الذي يستدعي الحبيب ويستحضر الغائب. في هذه الأبيات، يتكثف ألم الفراق حتى يطغى على ألم المرض ذاته، ليعاني الشاعر من عزلة مزدوجة: عزلة المكان وعزلة التواصل في زمن كانت الرسائل نادرة فيه.
السبيتار: سجن الجسد وقلق الروح
تصل صورة الاختناق إلى ذروتها في بيت لافت:
وسط السبيتار ما قلبي بمتشالي والباب من دوني العسكر يصكونه
حيث يتحول المستشفى إلى سجن حقيقي، مع «العسكر» كرمز للقيود، و«يصكونه» تأكيد للإغلاق القسري. إنها لوحة مكتملة للغربة، حيث يُحاصر الإنسان في جسده ومكانه. وتجدر الإشارة إلى مفردة «السبيتار»، التي وظفها الشاعر بشكل مؤثر، وهي كلمة كانت شائعة في الجزيرة العربية مشتقة من «هوسبيتال» الإنجليزية، وقد تلاشت مع دخول المصطلحات الحديثة.
صدمة الإنسان البدوي أمام الطب الحديث
يصف الشاعر تجربته العلاجية بجرأة نادرة، كاشفًا عن صدمة الإنسان البدوي أمام الطب الحديث آنذاك، حيث تحول الجسد من رمز القوة والحرية إلى موضوع للتشريح. ومع ذلك، يحافظ على إيمانه العميق، مؤكدًا أن الطب سبب لكن الشفاء بيد الله، في دعاء يظهر فلسفة بدوية أصيلة.
الحنين إلى مسقط الرأس: من ضيق العزلة إلى سعة الذاكرة
ينتقل الشاعر من ألم المرض إلى حلم الشفاء، ليس لذاته فحسب، بل للعودة إلى «مرابع الصبا» في نجران. هنا، يتحول الشفاء إلى استعادة للحياة الاجتماعية والعودة إلى مضارب قبيلته آل منصور يام. في هذا المقطع، ينتقل من ضيق «السبيتار» إلى سعة الذاكرة، ومن عتمة الغرفة إلى فضاء القبيلة، كأن الشوق يعيد تشكيل العالم على هيئة حلم مكتمل.
البدو: فلسفة البقاء والنقاء في مواجهة الغربة
يتجاوز الشاعر الوصف إلى التأمل الثقافي، حيث يمدح التمسك بالإرث ويرى في البادية نقاءً واستمرارية، في مقابل عالم «السبيتار» الغريب. ثم ينتقل بسلاسة إلى تصوير الحياة اليومية في صفائها الأول، مع مشاهد الصيد والاجتماع وتقاسم اللقمة، قبل أن ينعطف إلى منطقة أكثر رهافة عبر الغزل كاستراحة للروح المثقلة بالوجع.
الخاتمة: انتصار الحنين كقوة خالدة
في خاتمة القصيدة، يعود الشاعر إلى منبعه الأول: الشوق الخالص، بعد رحلة بين المرض والفخر والغزل. هنا، يتجرد الصوت الشعري من كل الزوائد، ليقف أمام حقيقة الحنين الذي لا يُحتمل، مؤكدًا أن القلب لا يطيع إلا نداء الأشواق. وهكذا، تتحول القصيدة من نص عن المرض إلى وثيقة إنسانية عن العزلة والحنين، ومرآة لثقافة بدوية أصيلة.
لقد نجح عويضة بن حمزان في تحويل تجربة شخصية قاسية إلى عمل شعري نابض، حيث تتجاور قسوة السبيتار مع سعة نجران، ويقترن ضعف الجسد بقوة الانتماء. فقصيدة «السبيتار» تثبت أن الشعر، حين يُكتب من قلب التجربة، يصبح خريطة خالدة للإبداع الإنساني، تظل تشع بصدقها وجمالها عبر العقود.



